تخطي إلى المحتوى
تحليل

رياض سلامة قام بالمستطاع، أما الطبقة السياسية قامت بالمستهجن!

رياض سلامة قام بالمستطاع، أما الطبقة السياسية قامت بالمستهجن!

بعد الإدّعاء على رياض سلامة رسمياً من قبل القضاء الفرنسي والإلماني، وإمساك القضاء اللبناني بالملف محرجاً، خرج سلامة من عالم المال والأعمال في لبنان والعالم حتى إشعار آخر. لم يعد هناك "ما قبل سلامة وما بعد سلامة" لأنه لم يعد هناك سلامة الشخص، ولكن سوف يبقى سلامة رئيس السلطة النقدية في زمان ما قبل الكارثة التي أنتجتها مكونات السلطة السياسية في 7 آذار 2020 عندما إتخذت قرارها العشوائي بالتوقف نهائياً عن خدمة الدين؛ وسلامة رئيس البلاد الفعلي في زمن الأزمة. علينا مساءلة ومحاسبة سلامة لجهة إحياء إقتصاد لبنان بعد الدمار الذي تسببت به مكونات السلطة السياسية لمدة 15 سنة من الحروب الأهلية، وفي إدارته للأزمة التي كان سببها قرار أرعن وُلِدَ من رحم فسادهم. وما بين الزمنين، حدث ولاحرج!

حط رياض سلامة ضيفاً على لبنان في زمن الدمار. خمسة عشرة سنة من الحرب بين الأهل دمرت الجزء الأكبر من عاصمة الوطن مدينة بيروت، وأهلكت إقتصاده وكادت أن تطيح بالليرة اللبنانية. جاء رياض سلامة حاكماً على مصرف لبنان للتأسيس لمرحلة إعادة إعمار لبنان بكلفة من الصعب جداً تقديرها وتمويل من المستحيل إحتساب كلفته. ومن دون إطالة الحديث، أنجز رياض سلامة مهمة إعادة إعمار بيروت تحت هيمنة سلطة سياسية فاسدة كل ما أحسنت فيه هو إنفاق المال العام وهدره وتحصيل مكاسب سياسية على حساب الوطن والمواطن. من الصعب جداً أن نجد شخصاً لم يعشق بيروت؛ ولكن، الحق يقال، عشق بيروت هو عابر للزمن والظروف والأحداث. لطالما كانت بيروت وطن لكل الأوطان. أستوطن في أبنيتها كل الجنسيات من كل الأعمار والأديان والثقافات، ولم ولن ترفض أحد.

لشدة عشقهم لبيروت لم يهتم أحد آنذاك لكيفية تمويل إعادة إعمار هذه المدينة وواكب هذه النهضة الإقتصادية شغف بارز للإستثمار فيها. الكل يعلم بأن الأب الروحي لهذا المشروع كان الرئيس الشهيد رفيق الحريري، وعند إستشهاده تبدل المشهدين السياسي والإقتصادي وإبتدأ يتظهر فساد وفشل مكونات السلطة السياسية وكان ذلك إنطلاقة العد العكسي للإنهيار الكبير في آذار من سنة ال 2020. أي إنعطافة إيجابية في الإقتصاد الوطني اللبناني بعد شباط 2005 كانت نتيجة حظ ولن تكن نتيجة قرار أو/و سياسة إقتصادية إعتمدتها أيّ من الحكومات المتعاقبة. الكل بات يعلم بأن مكونات الطبقة السياسية هي ذاتها، دعنا نقول، من تاريخ إقفال الباب على الحرب الأهلية: بري، الحريري، جنبلاط، عون، جعجع، نصرالله، الجميل، المر، . . .. تشابكت أيدي هذه المكونات بين بعضها ومع رياض سلامة لتسهيل إعادة إعمار بيروت، وبعد رحيل ضابط الإيقاع (رفيق الحريري) تظهر اللون الحقيقي لكل واحد منهم بأهدافه وبما يضمر للوطن وأبنائه.

طفح الكيل في سنة ال 2019 ولم يعد أحد قادر على إخفاء كارثة الدين العام وتداعياته المدمرة. رغم كل هذه السلبيات، لم يكن أحد يتوقع أن تتجرأ السلطة السياسية على إتخاذ قرار التوقف عن خدمة الدين بشقّيه الداخلي (بالليرة) والخارجي (بالدولار - يورو بوند) من دون خطة واضحة لإعادة الجدولة والهيكلة رغم توفر آنذاك ما يقارب ال 35 مليار دولار من الإحتياطي بالعملة الأجنبية لدى مصرف لبنان. القرار السياسي بالتوقف عن خدمة الدين شلّ قدرة مصرف لبنان على التصرف وتسديد إستحقاق 7 آذار 2020. الكل يذكر عندما تعثر تأمين التمويل لحصة لبنان من كلفة مصاريف المحكمة الدولية، قامت المصارف التجارية العاملة في لبنان بذلك نيابة عن الحكومة. كان ذلك ممكن لأن القرار السياسي للتسديد كان متوفر.

عكس كل ما يتم التداول به في الإعلام ووسائل التواصل الإجتماعي، لم يعترف مصرف لبنان بالأزمة النقدية إلى بعد قرار الحكومة اللبنانية العشوائي بالتوقف عن خدمة الدين: أصبح لبنان "متعثر" وفق التصنيف الائتماني، وبذلك أصبحت جميع المصارف التجارية العاملة في لبنان تحمل التصنيف الإئتماني "متعثر". بالمقابل جمدت المصارف المراسلة، نافذة القطاع المالي اللبناني إلى العالم، أعمالها مع المصارف التجارية في لبنان إلى حين تعزيز أرصدتها لديها لتغطية المخاطر التي قد تنتج عن التعامل مع مصارف تم تصنيفها "متعثرة". بعض المصارف سارعت إلى الاستجابة لطلب المصارف المراسلة والبعض الآخر دفع ثمن القرار السياسي الأرعن وجُمدت أرصدة حساباته لدى المصارف المراسلة. وأصبح هناك حاجة لمصرف لبنان للتحرك للحد من التداعيات السلبية للتعثر الغير منظم.

إنطلق مصرف لبنان بإدارة الأزمة في 9 نيسان 2020 مع إصدار التعميم الأساسي الذي يحمل الرقم 150 وشرع كيان نقدي مستقل وخالي من المخاطر الإئتمانية وأطلق عليه إسم "دولار فريش" - دولار طازج! كان هذا التعميم بمثابة الرئة التي من خلالها إستطاعت المصارف التنفس والإنتعاش. ولكن بالمقابل، ولد كيان نقدي آخر من رحم هذا التعميم وهو "الدولار المحلي" الذي تعذر تقدير "ثمنه" من قبل أرباب المصارف التجارية أو/و المشرع اللبناني. عندها إضطر مصرف لبنان إلى إصدار التعميم الأساسي الذي يحمل الرقم 151 وبموجبه تحدد ثمن الدولار المحلي، وهو اليوم 15000 ليرة للدولار الواحد بعد أن كان 8000 و 4000 ليرة من قبل. وبموجب هذا التعميم إبتدأ مصرف لبنان إعادة توظيفات المصارف التجارية لديه بالعملة الأجنبية.

حافظت الليرة اللبنانية على موقعها في التداول من قبل مكونات الإقتصاد الوطني حتى منتصف سنة ال 2022 ومن ثم تدهورت بوتيرة متسارعة بعد إقرار قانون الموازنة العامة للعام 2022.

كان هناك محاولة من قبل مصرف لبنان لضبط الفلتان في سوق القطع الأجنبي من خلال إنشاء منصة للتداول بالعملة الأجنبية (التعميم الأساسي رقم 157). يلزم التعميم كل المصارف العاملة في لبنان على التسجيل على المنصة ولكن ترك لكل مصرف حرية التداول عليها. والمصارف التي إتخذت قرار التداول على المنصة، كانت الدولارات المدفوعة من مصرف لبنان تُحْتسب من رصيد توظيفاتها لدى المركزي.

تداركت السلطة الوضع المعيشي المتأزم لموظفي القطاع العام وإستمرت الحكومة بإقرار زيادات على الرواتب والأجور من دون التوقف بجدية عند كيفية تمويل هذه النفقات الإضافية. وبهذا كان السبيل الوحيد طباعة العملة الوطنية، وبذلك تفاقمت الضغوطات التضخمية ووقفت السلطة السياسية عاجزة أمام هذا الواقع. عندها إضطر مصرف لبنان إلى إبتداع التعميم الأساسي رقم 161 في أواخر العام 2021 والذي يعرف اليوم بمنصة صيرفة. الهدف الأساسي من هذا التعميم هو دفع رواتب وأجور موظفي القطاع العام على سعر صرف مدعوم للدولار وإعطاء كل واحد منهم فرصة للإستفادة من فرق سعر الصرف بين "المنصة" والسوق الموازي. وعندها إضطر مصرف لبنان إلى الإنخراط بالسوق الموازي لاعباً أساسياً طالباً للدولار لصرف الرواتب والأجور وبعض المصاريف التشغيلية الإضافية للدولة. لم تكن هذه الدولارات تدفع من أموال المودعين؛ كان ومازال مصرف لبنان يحصل عليها من السوق الموازي. أما المودعين المستفيدين من سعر الصرف المدعوم على منصة صيرفة ومن خارج الجسم الوظيفي للقطاع العام كانت ومازالت تصرف دولاراتهم من توظيفات المصارف بالعملة الأجنبية لدى مصرف لبنان - أي من أموال المودعين. وبهذا يكون مصرف لبنان قد سدد للمصارف قسط كبير من توظيفاتها لديه من خلال هذه التعاميم التي أسست لسحوبات إستثنائية من الحسابات المكونة بالعملة الأجنبية.

سنة ال 2023 هي سنة الإستبعاد النقدي لليرة اللبنانية والإعتماد الواسع والأوسع على الدولار في التداول. لم تعد الليرة تشكل الحجم الأكبر من النقد المستعمل لتسديد فواتير الإستهلاك للمواطنين والمصاريف التشغيلية للمؤسسات، وبذلك لم يعد حجم الكتلة النقدية بالعملة الوطنية سبب أساسي وراء الضغوطات التضخمية لأنه لم يعد بالتداول بشكل يؤثر على الأسعار، ولكن مازالت الليرة اللبنانية تخدم هدف مهم والإستمرار بطباعتها مطلوباً وضروري وذلك لأن مصرف لبنان اليوم "يصنع الدولار" الأميركي في لبنان ويسدد كلفة صناعته بالليرة. على صعيد المثال، إذا كانت كلفة طباعة ورقة ال 100000 ليرة 25 قرشاً (ربع دولار أمريكي)، ويوظف المركزي هذه الورقة لشراء 1 دولار أميركي، وباتت لاتوظف هذه الورقة (ورقة المئة ألف ليرة) لا في التداول ولا في الاستهلاك من قبل المواطنين (أفراد ومؤسسات). ومادامت السلطة السياسية عاجزة عن إقرار الإصلاحات اللازمة والضرورية في المالية العامة، لذلك لن يكون من السهل التوقف عن طباعة العملة، ولكن يجب الإعتراف بأن مصرف لبنان نجح بالتخفيف من ضغوطاتها التضخمية وإستثمرها بأفضل الظروف.

وفي الختام، الشكر لرياض سلامة في إدارة الأزمة في ظل الظروف التي أظهرت رغبة المواطن اللبناني، من خلال الإنتخابات البرلمانية لسنة ال 2022، بالتمسك بهذه الطبقة السياسية الحاكمة والفاسدة والفاشلة وبذلك تعذر عليه محاربتها حتى إذا أراد لأن إرادة الشعب تعلو على أي إرادة أخرى. والملامة عليه، على رياض، لأنه سهل تمويل فسادهم وأنقذهم من خلال إعتناقه سدة الرئاسة في إدارة الأزمة الإقتصادية والنقدية والمالية لسنوات وأظهر جرأة إستثنائية وقدرة على إتخاذ قرارت لم تستطع السلطة التشريعية ولا حتى السلطة التنفيذية (وهم وجهان لعملة واحدة) على إتخاذها. أما اليوم يحاكم رياض سلامة كل يوم، تارة من القضاء الأوروبي وتارة أخرى من المواطن اللبناني وتبقى السلطة السياسية ومكوناتها متربعة متمسكة ومتمتعة بسلطنتها على الوطن والمواطن من دون حسيب أو رقيب.