تخطي إلى المحتوى
تحليل

البيت الأبيض يرفع الراية الخضراء: شراكة سعودية–أمريكية برؤية جديدة

البيت الأبيض يرفع الراية الخضراء:  شراكة سعودية–أمريكية برؤية جديدة

لم تكن زيارة ولي العهد السعودي ورئيس مجلس الوزراء الأمير محمد بن سلمان إلى البيت الأبيض مجرد محطة بروتوكولية، بل حدثاً سياسياً يحمل أبعاداً تتجاوز العلاقة الثنائية بين الرياض وواشنطن. فمنذ اللحظة الأولى، بدا واضحاً أن الإدارة الأميركية أرادت استقبالاً استثنائياً بكل المعايير؛ إذ لم تشهد واشنطن منذ عقود استقبالاً مماثلاً لأي زعيم أجنبي. عرض عسكري واسع، أعلام البلدين التي غمرت محيط البيت الأبيض، وتحليق مقاتلات متقدمة من طراز F-35 في تشكيل جوي رمزي — كلها رسائل توحي بأن الضيف شريك في رسم خرائط الإقليم لا مجرد زائر رفيع المستوى .

ومن المهم الإشارة إلى أن المقاتلات الأميركية، تاريخياً، لا تحلّق فوق البيت الأبيض ولا تقترب من مجاله الجوي المحظور المعروف بمنطقة P-56، التي تُعدّ من أكثر المناطق تشدداً أمنياً في الولايات المتحدة. لذلك، فإن ظهور المقاتلات المتقدمة في تشكيل جوي على مقربة من البيت الأبيض يشكّل استثناءً بروتوكولياً نادراً ورسالة سياسية بليغة تعكس وزن الزيارة ومكانة الضيف في الحسابات الاستراتيجية لواشنطن.

في المكتب البيضاوي، ظهر الرئيس دونالد ترامب واضحاً في رغبته بإنهاء فصل من التوتر الذي أعقب مقتل الصحافي جمال خاشقجي عام 2018. وعندما طُرح سؤال محرج على ولي العهد حول تقرير الاستخبارات الأمريكية، تدخل ترامب قائلاً: «الأشياء تحدث… لكنه لم يكن يعلم شيئاً عن ذلك». لم تكن هذه الجملة مجرد دفاع عابر، بل إعلان عملي عن رغبة الإدارة في طيّ صفحة أثقلت العلاقة بين البلدين، والتركيز على المصالح الكبرى التي تجمعهما.

الزيارة لم تُبن على الماضي، بل على رؤية مشتركة للمستقبل. فالمملكة، التي برزت خلال السنوات الأخيرة كمرجعية كبرى في قضايا التنمية والاستثمار ووقف الحروب، جاءت إلى واشنطن وفي جعبتها ملفات تمتد من غزة إلى سورية والعراق. وفي صلب هذه الملفات، موقف سعودي–أميركي مشترك يقوم على إنهاء عصر الفصائل المسلحة خارج إطار الدولة، وترسيخ استقرار إقليمي جديد أكثر صلابة وأقل قابلية للاهتزاز.

في المكتب البيضاوي، فتحت ملفات كبرى تتعلق ببيع مقاتلات F-35، واتفاقات في الذكاء الاصطناعي، وتعاون نووي، إضافة إلى حديث عن استثمارات سعودية ضخمة قد تصل إلى مئات المليارات داخل الولايات المتحدة. ورغم تشكيك بعض المحللين الأمريكيين بقدرة المملكة على تنفيذ أرقام بهذا الحجم في ظل أسعار النفط، إلا أن الرسالة السياسية تبدو أوضح من الحسابات الاقتصادية: السعودية تريد ربط اقتصادها بالتكنولوجيا الأميركية المتقدمة، وترامب يسعى لتحويل التحالف السياسي إلى شراكة اقتصادية ملموسة وعابرة للإدارات.

واذا قمنا بمقارنة هذه الزيارة باستقبالات ترامب الأخيرة لعدد من القادة الأوروبيين، نرى الفرق واضحاً . فلقاءات قادة ألمانيا وبريطانيا وفرنسا اتسمت غالباً بطابع بروتوكولي معتاد، تخللها شد وجذب سياسي حول ملفات الناتو والرسوم الجمركية والطاقة، ولم تشهد مظاهر احتفالية تتجاوز المألوف. أما زيارة ولي العهد السعودي فجاءت بمستوى مختلف تماماً: عرض عسكري، تحليق مقاتلات، ومأدبة رسمية كبرى حضرها رجال أعمال وصنّاع قرار. لم يُسجّل أي زعيم آخر استقبالاً بهذا الحجم، ما يعكس قراءة أمريكية جديدة لمكانة السعودية، ليس فقط كحليف إقليمي، بل كركيزة أساسية في إعادة تشكيل موازين الشرق الأوسط. اذ حملت قمة ترامب–محمد بن سلمان طابعاً استشرافياً واضحاً. عنوانها الاستثمار، الأمن الإقليمي، وإعادة بناء التحالفات، والتعامل مع مستقبل المنطقة كملف مشترك لا كحالة خلافية. هذه المقاربة تؤكد أن واشنطن، وإدارتها الجديدة ، ترى في السعودية شريكاً يتقدّم الصفوف في قضايا الطاقة، والاستقرار، وإدارة ملفات النزاعات.

باختصار، لم تكن قمة ترامب–محمد بن سلمان لقاءً ثنائياً عادياً، بل خطوة نحو إعادة صياغة قواعد اللعبة الإقليمية. ومن المكتب البيضاوي، كانت ترتسم ملامح مرحلة جديدة عنوانها: تنمية، مصالح مشتركة، وتحالف لا ينكسر بين واشنطن والرياض.