عندما يبدع الروائي، يجعل من قصته قصة تشويق ورعب تمنحنا إحساسًا بالحيويّة والإثارة، ونحن في لبنان رواياتنا الواقعية تتبارى مع أكبر روائيي القلق والخوف الحقيقي على مستقبل وطننا وحالنا وحال أهلنا وأولادنا.
أي مقدمة هذه لرواية ما زالت قائمة على رعب وخوف، ذلك الشعور الإنساني الفطري الغريزي المتأصل فينا منذ الميلاد وحتى الوفاة، والذي لا زلنا نعيشه كلبنانيين يومًا بعد يوم وعلى مدى ساعات الليل والنهار!
مرّت ثمانية أشهر على الفراغ الرئاسي في لبنان، ونحن بانتظار انتخاب رئيس جديد للجمهورية، وقد حصل الأمر نفسه منذ السنوات الست التي مضت، أي قبل الانتخابات الرئاسية السابقة عند انتخاب الجنرال ميشال عون، فهذا دليل على خلل وشعور مخيف مرعب لكل ذي عقل يدرك ويستنبط ويمكنه أن يعي جيدًا معنى هذا القصور والفشل لوطن يتغنى بأرزه الشامخ وعظمته، وبقدرة شعبه الذي يغزو العالم من شرقه الى غربه، ومن شماله الى جنوبه، ويؤسس الشركات الصناعية ويروّج للمنتجات الزارعية، وهو بذلك يساهم في بناء حضارات وثقافات الشعوب.
جميل أن تنظر الى وطنك من هذا المنظار، إلا أنه "أجمل" أن تنظر إلى نفسك انت، المواطن الصامد والصامت، تدفع ثمن ما سُرق منك على الحدود البرية والبحرية، ذهابًا وايابًا، وتنظر إلى مصانع المخدرات وتصدير انتاجها بخبرة تسويق وتصنيع، وبفتح الأسواق العالمية لاستقبالها وإعادة تصديرها.
اذًا لبنان، وهو في قمة عظمته، بانتظار انتخاب رئيس للجمهورية، إلا أن شعبه مقسوم بين محروم ومنتوف، وآخر يقبض بالدولار، وأصبح بعض اللبنانيين غير آبهين بمصير الوطن وأوجاع المجتمع حيث انعم الله عليهم بالدولارات. أما من لم يصل الى مرتبة القبض بالدولار بعد، فإما ينتحر (نعم هناك ثلاث حالات انتحار في لبنان أسبوعيًا)، أو يتاجر بالممنوعات او يتعاطاها، حيث نجد عشرات المتعاطين والتجار الذين تلقي القبض عليهم القوى الأمنية يوميًا، وطبيعي أن يتواجد هناك أعداد أكبر في الشوارع والأزقة، ونحن رغم ذلك ننتظر عجائب انتخاب رئيس للجمهورية.
مجتمع يتفكك وخدمات الاتصالات على أبواب التوقف، والطبابة والضمان الصحي الذي أصبح في الحضيض بسبب انهيار العملة اللبنانية، وضياع التعويضات في صندوق الضمان لمعظم المواطنين
والموظفين في القطاعين الخاص والعام. إضافةً إلى ضياع الكثير من أموال المودعين، إذا ما قلنا معظمها... والمجتمع الدولي والأصدقاء يحذروننا لكي ننظر الى أنفسنا. هم ينظرون الينا من الخارج لا عواطف لهم تجاه فلان ولا علتان، ولكن الوضع بالنسبة لهم مهيب ومخيف ومرعب. ما معنى أن تنهار دولة في هذا الزمان؟ هل يدركون أولئك الذين يقررون ويهربون من تطبيق القانون إلى اي منقلب ينقلب عليهم وعلينا الوطن؟
الهيئات المالية الدولية تحذّر، والهيئات الرقابية وجميع القوى المعنية بسلامة وأمن المجتمعات تنظر الى لبنان من منظار الحذر الشديد والترقب لما سيحصل فيما لو مازال الخلاف مستمرًا على انتخاب رئيس للجمهورية، لأنه لا بداية مطلقًا دون عودة المؤسسات، وخاصة تلك المليئة بالشواغر في جميع مؤسساتها العسكرية، والإدارية المدنية والقضائية، والبلديات.
والمرعب حقًا تبعيات أي فراغ سيحصل، وأي وضع سيترتب عنه في دوائر الصحة والتعليم والخدمات جميعها من أمنية ومدنية. والأكثر تأثيرًا على حياة المواطن، هو ذاك الفشل الذي سيترتب عنه وطن بكامله حيث سيصبح الانسان عليه أن يحمي نفسه بنفسه، ويحمي عمله ومصالحه، ويصبح كل شيءٍ ينهبه أو يحميه هو الأقوى .
فمع الفراغ السياسي الذي نعيشه، وقفزات ارتفاع سعر صرف الدولار الأميركي الجنونية وانهيار الليرة اللبنانية، وسط الخلافات بين المسؤولين حول المعالجات المطلوبة للنهوض بالاقتصاد، تتلاشى قدرة البلد على الصمود، والتأقلم مع الحالة المزرية، مما ينذر بانفجار اجتماعي، يعتبر المصدر السياسي أنه إذا لم يتم الاتفاق على مخرج من الجمود الحالي، سيكرس لبنان دولة هزيلة فاشلة.