يعكس استقرار مؤشر الدولار الأميركي فوق مستوى 98.50 حالة ترقّب دقيقة يعيشها السوق أكثر مما يعكس قوة حقيقية في العملة الأميركية. هذا التماسك السعري، رغم هشاشة البيانات الاقتصادية الأخيرة، يؤكد أن المستثمرين لا يزالون يتعاملون بحذر شديد مع المرحلة الحالية، ويفضّلون البقاء في مواقعهم بانتظار وضوح الرؤية، خصوصًا مع اقتراب صدور تقرير الوظائف غير الزراعية.
ومن وجهة نظري، هذا السلوك يعكس حالة توازن مؤقتة بين مخاوف التباطؤ الاقتصادي الأميركي من جهة، والدور التقليدي للدولار كملاذ آمن من جهة أخرى، وهو توازن أراه قابلًا للاختلال سريعًا مع أي مفاجأة في بيانات سوق العمل.
وأرى أن البيانات الهشة التي سبقت تقرير الوظائف لعبت دورًا محوريًا في كبح أي اندفاع صعودي قوي لمؤشر الدولار. فعلى الرغم من تحقيق المؤشر مكاسب على مدار يومين، إلا أن غياب الزخم القوي يدل على أن السوق لا يثق بالكامل في متانة التعافي الاقتصادي.
وبرأيي هذا الاستقرار ليس إشارة إيجابية بقدر ما هو تعبير عن تردد جماعي، حيث يدرك المستثمرون أن أي قراءة ضعيفة لتقرير الوظائف قد تدفع الاحتياطي الفيدرالي إلى تسريع وتيرة خفض الفائدة، وهو ما سيشكّل ضغطًا مباشرًا على الدولار خلال الفترة المقبلة.
لذا يكتسب ترقّب بيانات طلبات إعانة البطالة أهمية مضاعفة في هذه المرحلة، ليس بسبب تأثيرها المباشر فحسب، بل لأنها تمثل مؤشرًا استباقيًا لاتجاه تقرير الوظائف غير الزراعية. فإذا جاءت طلبات الإعانة أعلى من المتوقع، فإن ذلك سيعزز القناعة بأن سوق العمل الأميركي بدأ يفقد تماسكه، وهو ما قد ينعكس سريعًا على مؤشر الدولار. وتوقعي هنا أن أي إشارات سلبية متتالية في بيانات البطالة ستدفع المتداولين إلى تقليص مراكزهم الشرائية على الدولار، حتى قبل صدور تقرير الوظائف الرسمي، تحسبًا لسيناريو أضعف من التوقعات.
أما بالنسبة لتوقعات تقرير الوظائف غير الزراعية نفسه، فأرى أن التراجع المتوقع في عدد الوظائف الجديدة إلى نحو 55 ألف وظيفة مقارنة بـ 64 ألفًا في الشهر السابق يحمل دلالات سلبية، حتى وإن لم يكن الانخفاض حادًا. أعتقد أن المشكلة لا تكمن في الرقم المجرد، بل في الاتجاه العام الذي يوحي بفقدان سوق العمل زخمه تدريجيًا. وفي حال جاءت القراءة الفعلية أقل من هذه التوقعات، أعتقد أن مؤشر الدولار سيواجه ضغوطًا بيعية واضحة، وقد نشهد كسرًا لمستوى 98.50، خاصة إذا ترافق ذلك مع ارتفاع في معدل البطالة أو تباطؤ في نمو الأجور.
ورغم ذلك، لا يمكن تجاهل بعض الإشارات الإيجابية الجزئية، مثل ارتفاع مؤشر مديري المشتريات لقطاع الخدمات الصادر عن معهد إدارة التوريد، والذي تجاوز التوقعات ووصل إلى 54.4 نقطة. وبرأيي، هذا التحسن يعكس مرونة نسبية في قطاع الخدمات، لكنه غير كافٍ لتعويض ضعف سوق العمل بالكامل. كما أن تراجع عدد فرص العمل المتاحة وفق بيانات JOLTS إلى 7.146 مليون فرصة، وهو أقل من التوقعات، يؤكد في تقديري أن الطلب على العمالة بدأ يبرد، وهو ما يدعم سيناريو تباطؤ اقتصادي تدريجي، لا يتماشى مع قوة مستدامة للدولار على المدى المتوسط.
وفيما يتعلق بتقرير ADP، أرى أنه كان عاملًا مهمًا في تعزيز حالة الحذر الحالية. فزيادة 41 ألف وظيفة فقط، رغم أنها أفضل من قراءة نوفمبر السلبية، تبقى دون توقعات السوق. من وجهة نظري، هذا التقرير يعكس ضعفًا هيكليًا في وتيرة التوظيف بالقطاع الخاص، ويعزز المخاوف من أن تقرير الوظائف غير الزراعية قد يأتي مخيبًا أيضًا. لذلك أتوقع أن يظل مؤشر الدولار في نطاق ضيق قبل صدور تقرير NFP، مع ميل سلبي خفيف، حيث يتجنب المستثمرون المخاطرة في ظل هذا الغموض.
فتصريحات مسؤولي الاحتياطي الفيدرالي تضيف بُعدًا آخر للتحليل. ودعوة ستيفن ميران إلى خفض قوي لأسعار الفائدة هذا العام، إلى جانب تحذير نيل كاشكاري من خطر ارتفاع البطالة، تعكس في رأيي تحولًا واضحًا في لهجة البنك المركزي نحو القلق بشأن النمو.
وهذا التحول، من وجهة نظري، يمثل عامل ضغط متوسط الأجل على الدولار، لأنه يعزز توقعات السياسة النقدية التيسيرية. وبناءً على ذلك، أرجّح أن أي ارتداد صعودي لمؤشر الدولار سيبقى محدودًا ومؤقتًا، ما لم يفاجئنا تقرير الوظائف ببيانات قوية بشكل غير متوقع. خلاصة توقعي أن الدولار يقف حاليًا على أرضية هشة، وأي كسر واضح للثقة في قوة سوق العمل قد يدفعه إلى مسار هابط أكثر وضوحًا خلال الأسابيع المقبلة.