يشهد الذهب في المرحلة الراهنة واحدة من أكثر فتراته حساسية منذ سنوات، إذ يتحرك بثبات قرب أعلى مستوياته التاريخية، في إشارة واضحة إلى أن السوق لا يتعامل مع الارتفاع الحالي على أنه موجة مضاربية عابرة، بل كتحول هيكلي مدفوع بعوامل أساسية متشابكة. ومن وجهة نظري، فإن بقاء الذهب قريبًا من قممه رغم غياب محفزات نقدية توسعية قوية يعكس حجم القلق الكامن في سلوك المستثمرين، ويؤكد أن الطلب الحالي نابع من البحث عن الأمان لا من الرغبة في تحقيق مكاسب سريعة.
والزخم الصعودي الذي حافظ عليه الذهب لليوم الثالث على التوالي لا يمكن فصله عن المشهد الجيوسياسي شديد التعقيد. فالتدخل الأميركي في فنزويلا، والتلويح بعمل عسكري محتمل تجاه إيران، واستمرار الحرب الروسية الأوكرانية بوتيرة أكثر خطورة، إلى جانب التصعيد الصيني الياباني، كلها عوامل تعيد إلى الأذهان سيناريوهات عدم الاستقرار العالمي واسع النطاق. وفي تقديري، هذه البيئة تخلق طلبًا هيكليًا على الذهب كملاذ آمن، وليس مجرد رد فعل ظرفي للأحداث، وهو ما يفسر قدرة الأسعار على التماسك قرب القمم بدلًا من الدخول في تصحيحات حادة.
وما يعزز هذا التوجه أيضًا هو التآكل التدريجي في شهية المخاطرة العالمية. فالمستثمرون لا يهربون فقط من الأسهم أو العملات ذات المخاطر المرتفعة، بل يعيدون تقييم النظام المالي العالمي ككل. ومن هذا المنطلق، أرى أن الذهب يستفيد حاليًا من كونه أصلًا خارج المنظومة الائتمانية، لا يرتبط بالتزامات سيادية أو سياسية مباشرة، وهو ما يمنحه أفضلية نسبية في أوقات تتزايد فيها الشكوك حول استقرار العلاقات الدولية.
وفي المقابل، يلعب الدولار الأميركي دورًا محوريًا في هذه المعادلة، لكن ليس بالضرورة بالدور التقليدي كملاذ آمن منافس للذهب. فالمخاوف المتصاعدة بشأن استقلالية الاحتياطي الفيدرالي، في ظل الضغوط السياسية والتصريحات المتوترة، تضعف من صورة الدولار كعملة مرجعية محايدة. ومن وجهة نظري، هذه المخاوف لا تؤدي بالضرورة إلى انهيار الدولار، لكنها كافية لتقليص جاذبيته مقارنة بالذهب، خاصة في أوقات تتطلب فيها الأسواق وضوحًا واستقلالية في السياسة النقدية.
مع ذلك، لا يمكن تجاهل أن بيانات سوق العمل الأميركية الأخيرة حدّت من اندفاع الذهب الصعودي. فتراجع معدل البطالة، وإن جاء مصحوبًا بنمو أضعف في الوظائف، أعاد ضبط توقعات السوق بشأن مسار أسعار الفائدة. وبرأيي، هذا التوازن الدقيق بين بيانات اقتصادية ليست قوية بما يكفي لدعم الدولار بشكل حاسم، وليست ضعيفة بما يكفي لدفع الاحتياطي الفيدرالي إلى تخفيف نقدي سريع، هو ما يفسر حالة الترقب الحالية في سوق الذهب.
والسوق اليوم يعيش حالة انتظار واضحة قبل صدور بيانات التضخم الأميركية، وهي بيانات أراها مفصلية في تحديد الاتجاه المتوسط الأجل للذهب. وإذا جاءت أرقام التضخم أعلى من المتوقع، فقد نشهد ضغوطًا مؤقتة على المعدن النفيس نتيجة تراجع رهانات خفض الفائدة، لكنني أعتقد أن أي تراجع في هذه الحالة سيكون محدودًا ومشروطًا، طالما بقيت المخاطر الجيوسياسية دون حلول جذرية. أما في حال أظهرت البيانات استمرار تباطؤ التضخم، فإن ذلك قد يدعم موجة صعود جديدة تدفع الذهب لاختبار قمم تاريخية إضافية.
ومن زاوية تحليلية أوسع، أرى أن الذهب لم يعد يتحرك فقط كأداة تحوط ضد التضخم أو ضعف الدولار، بل كتحوط ضد الفوضى الجيوسياسية وإعادة تشكل موازين القوى العالمية. والقيود الصينية على صادرات المعادن النادرة إلى اليابان، على سبيل المثال، ليست حدثًا تجاريًا معزولًا، بل إشارة إلى تصاعد استخدام الموارد الاستراتيجية كسلاح اقتصادي، وهو تطور يعزز من جاذبية الأصول الصلبة وعلى رأسها الذهب.
وتوقعي خلال الفترة المقبلة أن يظل الذهب في نطاق مرتفع نسبيًا، مع ميل صعودي مشروط بغياب انفراجات سياسية كبرى أو تشديد نقدي مفاجئ من الاحتياطي الفيدرالي. ولا أستبعد حدوث فترات جني أرباح وتصحيحات فنية، لكنها في رأيي ستشكل فرص إعادة تمركز للمشترين أكثر من كونها بداية انعكاس هابط مستدام. الاتجاه العام، في تقديري، لا يزال صاعدًا ما دام العالم يتحرك في بيئة يغلب عليها عدم اليقين.
وهنا يمكن القول إن الذهب اليوم يعكس حالة العالم أكثر مما يعكس معادلات العرض والطلب التقليدية. إنه مؤشر نفسي واقتصادي في آن واحد، يقيس مستوى الثقة في النظام المالي والسياسي العالمي. ومن هذا المنطلق، أرى أن بقاء الذهب قرب قممه التاريخية ليس مبالغة سعرية، بل ترجمة واقعية لمخاطر متراكمة لم تجد بعد طريقها إلى الحل، وهو ما يجعل المعدن النفيس عنصرًا أساسيًا في أي قراءة استشرافية للأسواق خلال المرحلة المقبلة.