تخطي إلى المحتوى
تحليل

قانون الفجوة المالية اداة لاقفال النزاع لا لتحقيق العدالة

قانون الفجوة المالية اداة لاقفال النزاع لا لتحقيق العدالة

الفكرة الجوهرية هي أن مشروع قانون الفجوة المالية لا يُصاغ كـ قانون حقوق بل كـ وثيقة إدارة نزاع. هو أقرب إلى استراحة تسوية سياسية ـ مالية بين أطراف متنازعة (الدولة، مصرف لبنان، المصارف، وبعض الدائنين)، أكثر مما هو إطار قانوني يُعيد تعريف العلاقة بين المواطن والدولة على أساس الحق والواجب.

وهنا أريد ان أطرخ ثلاث زوايا مترابطة:

أولاً: من منطق القانون إلى منطق الصفقة

في التشريع الطبيعي، يبدأ القانون من تحديد الحقوق ثم يوزّع الواجبات ويضع آليات إنفاذ واضحة.

أما في مشروع الفجوة المالية، فالعكس هو الحاصل:

المنطلق ليس ما هو حق المودع؟ بل ما الذي يمكن للأطراف تحمّله سياسياً ومالياً؟.

وبالتالي، يتحوّل الحق من قاعدة قانونية ثابتة إلى متغيّر تفاوضي، يُخفض أو يُعلّق أو يُؤجّل وفق ميزان القوى لا وفق الدستور أو القوانين النافذة.

ثانياً: تغييب صاحب الحق الحقيقي عن طاولة الصياغة

كل استراحة تسوية تفترض أطرافاً حاضرين.

في هذا المشروع، الأطراف الحاضرون هم:

- دولة تبحث عن رفع المسؤولية عن نفسها،

- سلطة نقدية تسعى إلى تحصين الماضي،

- مصارف تريد تقنين الخسائر لا الاعتراف بها.

أما صاحب الحق، المودع، فهو غائب، أو حاضر فقط كرقم إجمالي في جدول فجوة، لا كصاحب صفة قانونية فردية.

وهنا الخلل البنيوي: القانون يُفترض أن يحمي الغائب والضعيف، لا أن يُصاغ بين الأقوياء ثم يُفرض عليه.

ثالثاً: تعليق مبدأ الواجب مقابل تسييل مبدأ التحمّل في الدولة القانونية، الواجبات محددة:

- الدولة مسؤولة عن السياسات،

- المصرف المركزي مسؤول عن الرقابة والاستقرار،

- المصارف مسؤولة عن إدارة الودائع.

في مشروع الفجوة، تُستبدل هذه السلسلة بمفهوم رمادي هو توزيع الأعباء.

الفرق خطير:

- الواجب يُحاسَب عليه،

- أما العبء فيُطلب من الجميع تحمّله… بمن فيهم من لم يرتكب أي خطأ.

وهكذا، يصبح القانون أداة لإقفال النزاع لا لتحقيق العدالة، وأداة لإدارة الخسارة سياسياً لا لمساءلة من صنعها قانونياً.