تخطي إلى المحتوى
تحليل

السياسة النقدية في لبنان: تغيير الوجوه… واستمرار الألم

السياسة النقدية في لبنان:  تغيير الوجوه… واستمرار الألم

ليس الانهيار النقدي والمصرفي في لبنان حادثاً طارئاً، ولا نتيجة خطأ تقني، ولا حتى ثمرة سوء تقدير عابر. ما نعيشه اليوم هو استمرارية نهج، لا قطيعة معه. ومن يظن أن خروج حاكمٍ ودخول آخر يعني تلقائياً تغييراً في السياسة النقدية، يخطئ في فهم طبيعة الأزمة وفي قراءة سلوك السلطة النقدية منذ أكثر من عقد.

من عهد رياض سلامة إلى المرحلة الانتقالية مع وسيم منصوري، وصولاً إلى العهد الحالي مع كريم سعيد، تغيّرت الأسماء، وتبدّلت الأدوات، لكن الفلسفة النقدية بقيت نفسها: إدارة الوقت بدل إدارة الأزمة، امتصاص الغضب بدل استعادة الثقة، وحماية التوازنات السياسية–المصرفية ولو على حساب الاقتصاد والمجتمع.

في مرحلة رياض سلامة، جرى تسويق الهندسات المالية كعبقرية نقدية، فيما كانت في جوهرها تأجيلاً ممنهجاً للاعتراف بالخسائر. تم تثبيت سعر صرف وهمي، وتضخيم ميزانيات المصارف، وتحويل مصرف لبنان إلى ممول أخير لدولة عاجزة ومصارف متورطة. وعندما وقع الانفجار، لم يكن مفاجئاً؛ كان مؤجلاً فقط.

ثم جاء التعثر غير المنظّم في آذار 2020، فتحوّلت الودائع إلى رهائن، وسقطت الثقة دفعة واحدة. ومع ذلك، لم نشهد لحظة مراجعة نقدية حقيقية، ولا اعترافاً صريحاً بحجم الفجوة، ولا خريطة طريق لإعادة الانتظام المالي.

في مرحلة وسيم منصوري، دخلنا ما يمكن تسميته بـ "إدارة الحد الأدنى". لا قرارات كبرى، لا فتح لملفات الخسائر، ولا مواجهة مع المصارف أو الدولة. كان الهدف المعلن هو "الاستقرار"، لكن الاستقرار هنا لم يكن سوى تجميد الأزمة، لا حلّها. استقرار هش، قائم على الإبقاء على كل شيء معلّقاً: الودائع، إعادة الهيكلة، المسؤوليات.

أما اليوم، مع كريم سعيد، فالعنوان هو "التنظيم" و"المأسسة". لغة أكثر هدوءاً، مصطلحات أكثر تقنية، لكن من دون مضمون تحويلي. لا خطة مكتوبة لمعالجة جوهر الأزمة، لا رؤية شاملة للودائع، لا مسار واضح لإعادة هيكلة المصارف، ولا تحديد صريح لمن يدفع الفاتورة وكيف. وهذا ليس تفصيلاً تقنياً، بل جوهر المسألة.

الدليل الأوضح على استمرار النهج نفسه هو ما حصل في كانون الأول 2023، عندما جرى تعديل سعر صرف دولار إيرادات الدولة من 15,000 ليرة إلى 89,500 ليرة، فيما تُرك "دولار المواطن"، أي سعر سحب الودائع، عالقاً عند 15,000 ليرة حتى اليوم. هنا تتجلى السياسة النقدية بوضوح: تمويل الدولة عبر التضخم المقنّع، وتمرير الضرائب والرسوم من جيب المواطن، من دون أي إصلاح ضريبي حقيقي أو عدالة توزيع.

ارتفعت إيرادات الخزينة في 2024، لا بفعل نمو اقتصادي أو إصلاحات بنيوية، بل نتيجة قرار نقدي استثمر في الدولرة وضرب القدرة الشرائية. هذا ليس حياداً نقدياً، بل خيار سياسي–اجتماعي واضح: حماية المالية العامة على حساب دخل المواطنين.

في المقابل، لم نسمع موقفاً حاسماً من مصرف لبنان بشأن العمولات المصرفية، ولا غطاءً قانونياً واضحاً لاستمرار سحب الودائع على سعر مجحف، ولا استخداماً فعلياً للصلاحيات الواسعة التي يمنحها قانون النقد والتسليف لإعادة تشغيل الوساطة المالية وفرز المصارف القابلة للحياة. حُفظت أموال المصرف المركزي، وهذا واجب، لكن لم تُحمَ أموال المودعين حتى بالحد الأدنى من العدالة.

وهنا نصل إلى بيت القصيد: غياب الخطة ليس عجزاً تقنياً، بل قرار سياسي. لأن أي خطة متكاملة تعني حتماً مواجهة الدولة كمدين أول، وفرض خسائر على من استفاد، وكسر شبكة المصالح التي صنعت الانهيار وتعيش اليوم على أنقاضه. لذلك، يُفضَّل الغموض. يُفضَّل الصمت. ويُفضَّل تمرير الوقت.

في هذا السياق، يظهر مشروع "قانون الفجوة" لا كأداة عدالة، بل كترجمة تشريعية للتهرّب نفسه: محاولة لتحويل الوديعة من حق تعاقدي إلى مساهمة قسرية في إنقاذ نظام لم يختره المودع ولم يشارك في إدارته. والفجوة، بعيداً عن أي توصيف أدبي، هي ببساطة الفرق بين التزامات المصارف وأصولها القابلة للاسترداد، وتقدّر بأكثر من 70 مليار دولار ؛ رقم يفرض خطة شاملة لا خطابات مطمئنة.

الخلاصة بسيطة وقاسية: ما لم يحصل تغيير في فلسفة السياسة النقدية، لا في أدواتها فقط، سيبقى الاقتصاد ينزف، وسيبقى المواطن يدفع ثمن الاستمرارية المقنّعة. لبنان لا يحتاج إلى حاكم جديد بوجه مختلف، بل إلى قرار نقدي يعترف بالخسائر، يوزّعها بعدالة، ويعيد تعريف دور المصرف المركزي كرافعة تعافٍ لا كمدير للأزمة.

الاستمرار في النهج نفسه، مهما تبدّلت الأسماء، ليس استقراراً. هو إطالة منظّمة لعمر الانهيار.