تخطي إلى المحتوى
دولية

زوج الدولار الين يتراجع بعد تصاعد التوترات التجارية

زوج الدولار الين يتراجع  بعد تصاعد التوترات التجارية

يشهد زوج الدولار الأميركي/الين الياباني في هذه المرحلة الحساسة تراجعًا ملحوظًا إلى مستوى قرب 158، وهو تطور أراه انعكاسًا طبيعيًا لتقاطع عدة عوامل اقتصادية وجيوسياسية في توقيت واحد، وليس مجرد حركة تصحيحية عابرة. ومن وجهة نظري، فإن وصول الزوج إلى محيط 157.85 يعكس بالدرجة الأولى حالة الضعف التي يعاني منها الدولار الأميركي على نطاق واسع، وهو ضعف ناتج عن تصاعد التوترات التجارية بين الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، ما أعاد إلى أذهان الأسواق سيناريوهات الحروب التجارية التي طالما ضغطت على شهية المخاطرة العالمية وأضعفت العملة الأمريكية في دورات سابقة.

وأعتقد أن التراجع الأخير لمؤشر الدولار الأمريكي إلى ما دون 99.20 ليس حدثًا تقنيًا فحسب، بل هو إشارة جوهرية على أن الأسواق بدأت تعيد تسعير المخاطر السياسية والاقتصادية المرتبطة بالسياسات الحمائية الأمريكية. وفرض تعريفات جمركية جديدة بنسبة 10% على دول الاتحاد الأوروبي والمملكة المتحدة، في سياق سياسي حساس، يعزز مخاوفي من أن الإدارة الأمريكية قد تدفع الاقتصاد العالمي إلى مرحلة من عدم اليقين التجاري، وهو ما يضعف الدولار كعملة احتياط مهيمنة ويزيد من توجه المستثمرين نحو تنويع مراكزهم بعيدًا عنه.

ومن خلال قراءتي لخريطة أداء العملات، ألاحظ أن ضعف الدولار لا يقتصر على الين فقط، بل يمتد أمام معظم العملات الرئيسية، وهو ما يؤكد أن الضغط الحالي ذو طابع عام وليس ثنائيًا مرتبطًا فقط بالدولار/ين. ومع ذلك، فإن الين الياباني يبدو مستفيدًا نسبيًا من هذا المشهد، رغم التحديات الداخلية، بسبب دوره التقليدي كعملة ملاذ آمن في فترات التوترات الجيوسياسية والتجارية. وفي تقديري، فإن هذا العامل سيظل داعمًا للين على المدى القصير، حتى وإن كانت المكاسب محدودة بسبب عوامل محلية مضادة.

كما، لا يمكن تجاهل البعد السياسي الياباني، إذ أرى أن إعلان رئيس الوزراء سناي تاكايشي عزمه حل مجلس النواب والدعوة إلى انتخابات مبكرة في 23 يناير يمثل عنصر عدم يقين إضافيًا يحد من قوة الين. فالأسواق عادة لا تحبذ المفاجآت السياسية، خصوصًا عندما ترتبط بإعادة رسم السياسات المالية. وتصريحات تاكايشي حول إنهاء ما وصفه بالسياسة المالية شديدة التقشف تفتح الباب أمام احتمالات توسع مالي أكبر، وهو ما قد يضغط على الين على المدى المتوسط إذا ما ترافق مع ارتفاع مستويات الدين أو زيادة الإنفاق الحكومي دون إصلاحات هيكلية واضحة.

وبرأيي، فإن التوازن الحالي في زوج الدولار/الين هو نتاج صراع بين ضعف الدولار الخارجي وعدم اليقين الياباني الداخلي. هذا الصراع يفسر لماذا لم نشهد حتى الآن هبوطًا حادًا دون مستويات 157، رغم الزخم السلبي للدولار. المستثمرون، ومن وجهة نظري، ما زالوا يتعاملون بحذر، مترقبين ما ستسفر عنه قرارات بنك اليابان المقبلة، باعتبارها العامل الحاسم في تحديد الاتجاه التالي للزوج.

وأرى أن اجتماع بنك اليابان المرتقب هذا الأسبوع يمثل نقطة محورية. التوقعات بالإبقاء على سعر الفائدة عند 0.75% تعكس استمرار النهج الحذر للبنك المركزي، وهو نهج أراه مبررًا في ظل هشاشة التعافي الاقتصادي الياباني. ومع ذلك، فإن أي إشارة حتى اذا كانت لفظية إلى تشديد مستقبلي أو مراجعة لسياسة التحكم في منحنى العائد قد تشعل موجة جديدة من قوة الين، ما قد يدفع زوج الدولار/الين إلى كسر مستويات دعم أدنى من الحالية.

وفي تقديراتي، وعلى المدى القصير، أتوقع أن يبقى الزوج تحت ضغط هبوطي طالما ظل الدولار الأمريكي يعاني من تداعيات التوترات التجارية والضبابية السياسية في واشنطن. وأرجح أن يتحرك الدولار/الين في نطاق يتراوح بين 156.80 و158.50 خلال الأيام المقبلة، مع ميل سلبي واضح إذا ما صدرت إشارات سلبية إضافية من الجانب الأمريكي أو مفاجآت تميل للتشدد من بنك اليابان.

أما على المدى المتوسط، فإن رؤيتي تصبح أكثر حذرًا. إذا ما تطورت الأزمة التجارية بين الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي إلى إجراءات انتقامية متبادلة، فإن ذلك قد يدفع الدولار إلى مزيد من الضعف الهيكلي، وهو ما سيصب في مصلحة الين رغم التحديات الداخلية. في المقابل، إذا أسفرت الانتخابات اليابانية عن حكومة أكثر ميلاً للتوسع المالي دون دعم نقدي موازٍ، فقد نشهد عودة الضغوط على الين، ما يحد من قدرته على الاستفادة الكاملة من ضعف الدولار.

في النهاية وجهة نظري هي أن زوج الدولار/الين يقف عند مفترق طرق حاسم، تحكمه السياسة بقدر ما تحكمه الاساسيات الاقتصادية. والمرحلة الحالية، في رأيي، لا تصلح للمراهنات أحادية الاتجاه، بل تتطلب إدارة مخاطر دقيقة ومراقبة لصيقة للتطورات السياسية والنقدية على جانبي المحيط الهادئ، لأن أي تغير مفاجئ في الخطاب أو القرارات قد يعيد رسم المشهد بالكامل خلال فترة زمنية قصيرة.