يشهد الذهب في مطلع عام 2026 مرحلة دقيقة تعكس بوضوح حالة التوازن الهش بين العوامل الجيوسياسية والاقتصادية والنقدية، حيث نجح المعدن الأصفر في استعادة جزء معتبر من خسائره المبكرة والحفاظ على تداوله فوق مستوى 4800 دولار للأونصة، بل والاقتراب من 4925 دولارًا، رغم تراجع الزخم الصعودي مقارنة بالقمم التاريخية التي سجلها في وقت سابق. ومن وجهة نظري، فإن هذا السلوك السعري لا يمكن اعتباره مجرد حركة تصحيحية قصيرة الأجل، بل هو تعبير عن قناعة متزايدة لدى المستثمرين بأن الذهب بات أصلًا استراتيجيًا يُشترى عند الانخفاض، حتى في ظل تراجع الطلب التقليدي على الملاذات الآمنة.
وأرى أن عودة المشترين عند المستويات المنخفضة نسبيًا تعكس إدراك الأسواق بأن العوامل الداعمة للذهب لم تختفِ، بل تغيرت طبيعتها. فالمستثمرون لم يعودوا ينظرون فقط إلى المخاطر الجيوسياسية المباشرة، بل باتوا يركزون على مسار السياسة النقدية الأميركية على المدى المتوسط. وصحيح أن انحسار المخاوف من حرب تجارية واسعة أو مواجهة مع الحلفاء الأوروبيين قد خفف من الطلب الدفاعي على الذهب، إلا أن هذا التأثير كان محدودًا نسبيًا، ما يؤكد أن السوق أصبح أكثر نضجًا وأقل اندفاعًا خلف الأخبار السياسية قصيرة الأجل.
ومن المهم الإشارة إلى أن التحول الإيجابي في شهية المخاطرة العالمية، بعد تراجع الرئيس الأميركي دونالد ترامب عن تهديدات الرسوم الجمركية واستبعاد سيناريوهات التصعيد الجيوسياسي، شكل ضغطًا واضحًا على أسعار الذهب. ومع ذلك، أعتقد أن هذا الضغط كان أقل مما كان متوقعًا تاريخيًا في مواقف مشابهة. وهذا يعكس، في تقديري، أن المستثمرين باتوا أكثر حذرًا من المبالغة في تسعير الأخبار الإيجابية، خاصة في ظل عالم اقتصادي ما زال يعاني من تباطؤ النمو وارتفاع مستويات الدين وعدم اليقين بشأن استدامة التعافي.
والدولار الأميركي استفاد بطبيعة الحال من تراجع المخاوف الجيوسياسية ومن انحسار ما كان يُعرف باستراتيجية "بيع أميركا"، وهو ما حدّ من قدرة الذهب على تسجيل مكاسب جديدة. لكنني أرى أن قوة الدولار الحالية تفتقر إلى الزخم طويل الأجل، لأن التوقعات بخفض أسعار الفائدة مرتين إضافيتين خلال عام 2026 تفرض سقفًا طبيعيًا لأي صعود مستدام للعملة الأميركية. وهذا العامل تحديدًا هو ما يمنح الذهب قاعدة دعم صلبة، إذ إن المعدن الذي لا يدر عائدًا يصبح أكثر جاذبية كلما تراجعت العوائد الحقيقية.
ومن وجهة نظري، فإن الترقب الشديد لبيانات مؤشر أسعار نفقات الاستهلاك الشخصي الأميركي يعكس إدراك الأسواق بأن المرحلة المقبلة ستكون حاسمة في تحديد اتجاه الذهب. وهذا المؤشر لا يُعد مجرد رقم تضخم، بل هو البوصلة الأساسية التي يستند إليها الاحتياطي الفيدرالي في قراراته. أي إشارة على تباطؤ التضخم ستُفسَّر فورًا على أنها ضوء أخضر لمزيد من التيسير النقدي، وهو سيناريو أراه داعمًا قويًا لعودة الذهب لاختبار قممه التاريخية وربما تجاوزها.
وفي المقابل، لا يمكن تجاهل أن الأسواق تسعّر بالفعل جزءًا كبيرًا من سيناريو خفض الفائدة، ما يعني أن المفاجآت الإيجابية قد تكون محدودة الأثر مقارنة بالمفاجآت السلبية. ومع ذلك، أعتقد أن المخاوف المتعلقة باستقلالية السياسة النقدية الأميركية، في ظل تزايد الحديث عن تدخلات سياسية محتملة، ستظل عنصر ضغط على الدولار وداعمًا غير مباشر للذهب، حتى وإن لم تنعكس فورًا في حركة الأسعار اليومية.
والتطورات الجيوسياسية الأخيرة، خاصة الحديث عن تقدم في مسار السلام الأوكراني، أسهمت بلا شك في إضعاف جاذبية الذهب كملاذ آمن. لكن من منظور تحليلي أعمق، أرى أن هذه الأخبار، رغم أهميتها، لا تلغي المخاطر الهيكلية الأوسع، سواء المرتبطة بإعادة تشكيل النظام العالمي أو بتغير موازين القوى الاقتصادية. لذلك، فإن أي تراجع في أسعار الذهب نتيجة أخبار سياسية إيجابية قد يمثل فرصة استثمارية أكثر منه إشارة خروج.
وفي تقديري النهائي، أتوقع أن يظل الذهب في عام 2026 ضمن نطاق مرتفع نسبيًا، مع ميل صعودي تدريجي تدعمه توقعات خفض الفائدة، وضعف العوائد الحقيقية، واستمرار حالة عدم اليقين الاقتصادي العالمي. قد نشهد فترات من التذبذب والتصحيح، خاصة مع تحسن شهية المخاطرة، لكنني أرجّح أن تبقى الانخفاضات محدودة وأن يستخدمها المستثمرون الاستراتيجيون لبناء مراكز طويلة الأجل. وبناءً على المعطيات الحالية، لا أستبعد أن يعاود الذهب اختبار قممه التاريخية خلال النصف الثاني من العام، إذا ما جاءت بيانات التضخم الأميركية متوافقة مع سيناريو التيسير النقدي المنتظر.