الفراغ السياسي بات موضة في لبنان بسبب المناكفات السياسية ، فقد عاشها مرات عديدة سواء في رئاسة الجمهورية أو رئاسة الوزراء، اللتين تتوليان السلطة التنفيذية بموجب اتفاق الطائف ، بسبب النزاعات بين القوى السياسية المرتهنة الى الخارج ، وغير المهتمة لشؤون وشجون الناس ومشاكلهم ومعاناتهم بقدر اهتمامها بمصالحها الشخصية ومصالح الدول الرعاية لها ، فعلى صعيد الفراغ الرئاسي، شهد لبنان شغورا طويلا في منصب رئيس الجمهورية: كانت الأولى بين سبتمبرايلول 1988 ونوفمبرتشرين الثاني 1989، حين قرر الرئيس اللبناني الاسبق أمين الجميّل، بعد انتهاء ولايته ،وفشل البرلمان في اختيار بديل له تشكيل حكومة عسكرية سداسية برئاسة قائد الجيش انذاك ميشال عون رغم وجود حكومة مدنية برئاسة الدكتور سليم الحص ، لذا قرر الوزراء المسلمون اللواء محمود طي أبو ضرغم والعميد محمد نبيل قريطم والعقيد لطفي جابر فور تشكيل الحكومة الاعتذار عن المشاركة بها، وذلك بسبب ظروف التشكيل وعدم مشاورتهم قبل التشكيل ، لكن عون مضى في حكومته التي تضم العميدين ادغار معلوف وعصام ابو جمىرا واحتل قصر الرئاسة في بعبدا ورفض الاعتراف بالحكومة الميثاقية الموجودة وخاض حروب الغائية ضد القوات اللبنانية وامر بقصف معارضيه في المنطقة الغربية للعاصمة ، وعارض انتخاب النائب رينيه معوض كرئيس جديد للحمهورية الذي اغتيل قبل تسلمه مهامه ثم رفض الاعتراف بانتخاب الرئيس الياس الهراوي وحاول حل مجلس النواب لانه رفض الاعتراف باتفاق الطائف الذي انهى الحرب الاهلية التي اندلعت في لبنان العام 1975، ولم يخرج من القصر الا بعد ان اغارت الطائرات السورية على القصر حيث فر بملابس النوم باتجاه السفارة الفرنسية طالباً اللجوء السياسي .
وشهد لبنان بين نوفمبر تشرين الثاني 2007 ومايو ايار 2008 فراغا رئاسيا بعدما انتهت الولاية النصفية الممدة للرئيس إميل لحود بايعاز من النظام السوري ، والسبب هو عدم التوافق على خليفة له واستمر الفراغ الى ان عقد مؤتمر الدوحة من 16 الى 22 مايو ايار 2008 وادى الى انتخاب قائد الجيش ميشال سليمان رئيساً للجمهورية .
أما الشغور الرئاسي والأطول فكان بين مايوايار 2014 وأكتوبر تشرين الاول 2016، وبلغ 29 شهرا، وبدأ الشغور عندما انتهت ولاية الرئيس ميشال سليمان، ولم ينته إلا بعد انتخاب ميشال عون رئيسا للبلاد بسبب
اصرار حزب الله على انتخابه وقد تكبدت البلاد خسائر مالية واقتصادية ضخمة من جراء هذا الفراغ.
اما على صعيد حكومات تصريف الاعمال فقد شهد لبنان هذه الحالة اكثر من مرة ومن أبرز الحالات التي طال فيها تصريف أعمال الحكومة :
*حكومة فؤاد السنيورة: باتت هذه الحكومة في حكم تصريف الأعمال منذ أواخر 2006 وحتى منصف 2008، بعد استقالة الوزراء الشيعة من الحكومة .
*حكومة نجيب ميقاتي (مارس اذار 2013- فبراير شباط 2014): ظلت هذه الحكومة تدير شؤون لبنان على نطاق ضيق بعد استقالتها بسبب الانقسام السياسي الحاد حول الانتخابات والتعيينات في الوظائف العليا.
*حكومة تمام سلام: باتت هذه الحكومة كحكومة تصريف أعمال إثر الفراغ الرئاسي في عام 2014، وظلت في هذا الوضع حتى أواخر عام 2016 الى ان تم انتخاب ميشال عون رئيساً للجمهورية .
*حكومة سعد الحريري الثانية (مايو ايار 2018- يناير 2019كانون الثاني): تحولت هذه الحكومة الى حكومة تصريف للأعمال بسبب الاستشارات الشاقة والعراقيل التي وضعت في وجه الرئيس المكلف من رئيس الجمهورية وفريقه السياسي.
* حكومة حسان دياب التي شكلت في 21 ينايركانون الثاتي 2020 واصبحت حكومة تصريف اعمال بعد انفجار المرفأ يوم 4 اغسطس آب 2020 واستمرت حتى 10 سبتمبرايلول 2021 لحين تشكيل حكومة نجيب ميقاتي .
واليوم يواجه لبنان حلقة جديدة من الفراغ سببها ان حكومة نجيب ميقاتي التي شكلت في شهر سبتمبر ايلول 2021 اعتبرت مستقيلة بعد الانتخابات النيبابية التي جرت يوم 14 مايو ايار 2022 ورغم ان ميقاتي كلف من قبل المجلس النيابي الجديد بتشكيل حكومة جديدة يوم 23 يونيو حزيران 2022 ، لكنه لم ينجح بعد رفض رئيس الجمهورية التشكيلة التي قدمها له الرئيس المكلف لانها لن تحقق طموحات صهره جبران باسيل الذي يريد ان يضمن الثلث المعطل ويشترط ان تتم اقالة حاكم مصرف لبنان رياض سلامة وقائد الجيش العماد جوزاف عون ورئيس مجلس القضاء الاعلى سهيل عبود ورئيس مجلس ادارة شركة طيران الشرق الاوسط محمد الحوت ومدير عام ادارة المناقصات جان العلية حتى يعزز وضعه الاداري بعد انتهاء عهد عمه .
وها هي حكومة تصريف الاعمال مستمرة حتى اليوم رغم الانقسام بين الوزراء ، ولم تنجح كل الضغوط الدولية والداخلية بتغيير الواقع الحالي لان الثنائي الشيعي مصر على ايصال الوزير السابق سليمان فرنجية الى سدة الرئاسة رغم معارضة كل القوي المسيحية التي رشحت بداية النائب ميشال معوض ثم الوزير السابق جهاد ازعور، ولم تنجح الوساطة الفرنسية ولا التهديدات الدولية بفرض عقوبات على المعرقلين ولا التقارير المخيفة التي صدرت عن البنك الدولي وصندوق النقد الدولي ، ففريق الممانعة يدعو للحوار وفي الوقت نفسه يتمسك بمرشحه سليمان فرنجية والقوى المسحية ترفض وتطالب بانعقاد مجلس النواب بشكل مستمر والاقلاع عن مسرحية الاوراق البيضاء وتطيير النصاب ، ويستمر السيناريو المخيف والبلاد تنزف والشعب يتألم والشباب والشابات ينزحون للبحث عن حياة افضل في بلاد الله الواسعة .