تخطي إلى المحتوى
تحليل

لبنان… حين يصبح الوطن عبئًا على أبنائه

لبنان… حين يصبح الوطن عبئًا على أبنائه

ليس غريبًا أن يلمع اسم اللبناني في خرائط الاغتراب، وأن يخفت صوته في بلده. المفارقة ليست في الإنسان، بل في المكان. فالعقل ذاته الذي ينجح في دبي وباريس وكندا، يُستنزف في بيروت وطرابلس وصيدا. هناك، تُقاس القيمة بما تُنجز؛ هنا، بما لمن تنتمي.

في لبنان، لا تُكافأ الكفاءة، بل تُشتبه. لا يُسأل المرء: ماذا تعرف؟ بل: من وراءك؟

تحوّل النظام السياسي من إطار لإدارة التنوّع إلى سوقٍ مغلق لتقاسم النفوذ. الدولة لم تعد حَكَمًا بين مواطنيها، بل غنيمة موزّعة على الطوائف. النيابة والوزارة خرجتا من معناهما الدستوري، ودخلتا عالم الاستثمار السياسي: موقع اليوم، ثروة الغد. مسارات مالية غامضة، صعود مفاجئ للثروات، وغياب كامل لأي منطق محاسبة، كأن المال العام سائل بلا صاحب.

في الجهة المقابلة، يقف موظف الدولة المتقاعد كشاهد صامت على الخديعة الكبرى. أربعون عامًا من الخدمة، تنتهي براتب لا يكفي دواء، ولا يضمن كرامة. دولة تكرم من ينهبها، وتعاقب من خدمها.

المؤسسات الرسمية، التي يُفترض أن تكون عماد الاستقرار، أُفرغت من معناها. الوظيفة العامة لم تعد مسؤولية، بل مكافأة ولاء. الإدارات تُدار بالهاتف السياسي لا بالنص القانوني، والنقابات -آخر خطوط الدفاع عن الحقوق -تحوّلت إلى أجنحة حزبية، فاقدة لروحها التمثيلية.

أما العدالة، فقد أصبحت رهينة التوقيت السياسي. ملف يُفتح لأن الرياح سمحت، وآخر يُدفن لأن التوازنات لا تحتمل. جرائم كبرى تمرّ بلا أسماء، وبلا أحكام، وبلا اعتذار. انفجار مرفأ بيروت لم يكن كارثة تقنية فحسب، بل لحظة انكشاف شامل: دولة تعرف كل شيء، ولا تفعل شيئًا.

في هذا الفراغ، تمدّدت الفوضى. موظفون لا يُرون إلا في كشوفات الرواتب، أملاك عامة تُقضم على مرأى القانون، بلديات تُدار كملحقات انتخابية، ووزارات تنسحب من واجباتها لصالح منظمات غير حكومية، تعمل أحيانًا أكثر من الدولة، ولكن خارج أي مساءلة وطنية.

غير أن الخطر الأعمق لا يكمن في الفساد وحده، بل في ما أحدثه داخل الوعي. حين يُستبدل العلم الوطني برايات الخارج، وحين يصبح الزعيم بديلاً عن الدولة، والطائفة بديلاً عن المواطنة، نكون أمام أزمة وجود لا مجرد خلل سياسي. عندها، لا يعود السؤال: من يحكم؟ بل: هل ما زال هناك وطن يُحكم؟

لبنان اليوم يعيش على حافة التآكل الذاتي. لا حرب أهلية واضحة، ولا سلم حقيقي. دولة بنصف قرار، ومجتمع بنصف ثقة، ومستقبل معلّق بين خوفٍ قديم وأوهام زعامات لا تشبع.

خاتمة: ما بعد السقوط

ومع ذلك، لا يولد التغيير من الراحة، بل من لحظة الانكشاف. حين يدرك اللبناني أن خلاصه لا يمر عبر الزعيم، ولا عبر الطائفة، بل عبر استعادة فكرة الدولة نفسها.

لبنان لا يحتاج بطلاً، بل عقدًا أخلاقيًا جديدًا. لا يحتاج خطابات أعلى، بل مؤسسات أصدق. ولا يحتاج غضبًا إضافيًا، بل وعيًا يُحوّل الغضب إلى فعل.

عندما تصبح الكفاءة حقًا لا استثناء، والمواطنة هوية لا شعارًا، والمساءلة قاعدة لا انتقامًا، يمكن لهذا البلد أن يتوقف عن استهلاك نفسه… وأن يبدأ، للمرة الأولى منذ زمن، ببناء ذاته