في لحظة تتصاعد فيها نيران المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران، لم تعد الحرب محصورة في ساحات القتال، بل امتدت لتضرب في عمق الاقتصاد الأميركي نفسه، حيث تتراكم الضغوط بوتيرة غير مسبوقة. ومع بلوغ الدين العام مستوى قياسياً صادماً عند 39 تريليون دولار، تدخل واشنطن هذه المواجهة وهي مثقلة بأعباء مالية خانقة، ما يفتح الباب أمام تساؤلات خطيرة حول قدرتها على الاستمرار دون أن تدفع ثمناً داخلياً باهظاً قد يتجاوز كلفة الحرب ذاتها.
خلال ثلاث أسابيع فقط ، تجاوزت كلفة العمليات العسكرية على إيران 12 مليار دولار، وهو رقم مرشح للارتفاع مع غياب أي أفق واضح لنهاية الصراع. لكن التحدي الحقيقي لا يكمن فقط في الإنفاق العسكري المباشر، بل في تزامن هذه الحرب مع عجز فيدرالي ضخم بلغ نحو 1.78 تريليون دولار، رغم محاولات الإدارة الإشارة إلى تحسن طفيف في المؤشرات المالية.
التسارع اللافت في نمو الدين العام يزيد من حدة القلق. اذ قفز الدين العام من 37 إلى 39 تريليون دولار، في مسار يعكس اختلالاً هيكلياً عميقاً، تغذيه سياسات الإنفاق المرتفعة، والتخفيضات الضريبية، والآن حرب جديدة مفتوحة. ورغم حديث رسمي عن خفض محدود في العجز، إلا أن الصورة الأوسع تشير إلى مسار مالي يصعب استدامته على المدى الطويل.
في موازاة ذلك، تعود أسعار النفط إلى الواجهة كعامل حاسم في تحديد مصير الاقتصاد. التوترات في الخليج، خصوصاً مع تأثر الملاحة في مضيق هرمز، دفعت الأسعار إلى الارتفاع، ما يعيد إلى الأذهان سيناريوهات تاريخية ارتبطت فيها الصدمات النفطية بدخول الاقتصاد الأمريكي في حالة ركود. وتشير التقديرات إلى أن تجاوز الأسعار عتبة 100 دولار سيبدأ بإضعاف الاستهلاك، بينما قد يؤدي بلوغ 120 دولاراً إلى توقف النمو، ومع الاقتراب من 130 إلى 150 دولاراً يصبح خطر الركود محتم ، خاصة إذا استمر الارتفاع لفترة طويلة.
لكن العامل الحاسم لا يتعلق بالسعر فقط، بل بسرعة الارتفاع ومدته. فالصدمات المفاجئة في أسعار الطاقة غالباً ما تكون أكثر تدميراً من الارتفاعات التدريجية، لأنها تضرب ثقة المستهلكين وتدفع الشركات إلى تقليص الإنفاق والاستثمار بشكل سريع. وفي اقتصاد يعتمد بشكل كبير على الاستهلاك، يمكن لهذا التراجع في الثقة أن يتحول إلى عامل تسريع لأي تباطؤ اقتصادي قائم.
يفرض الواقع الحالي معادلة أكثر تعقيداً من أي أزمة سابقة، بعدما تحوّلت الولايات المتحدة إلى منتج رئيسي للطاقة، ما يمنحها هامشاً محدوداً للاستفادة من ارتفاع الأسعار عبر دعم قطاع النفط. غير أن هذا المكسب يبقى ضئيلاً أمام موجة الضغط التي تضرب الأسر الأميركية، مع ارتفاع تكاليف الوقود والغذاء والنقل، وتفاقم معدلات التضخم التي تلتهم القدرة الشرائية وتزيد من هشاشة الاقتصاد.
ومع استمرار الضغوط التضخمية، يجد الاحتياطي الفيدرالي نفسه أمام معادلة صعبة، حيث قد يضطر إلى الإبقاء على أسعار الفائدة مرتفعة لفترة أطول، ما يزيد من تكلفة الاقتراض ويضغط على الاستثمار والنمو. هنا تتقاطع آثار الحرب مع السياسة النقدية لتشكل بيئة اقتصادية شديدة الحساسية.
يكشف التاريخ الاقتصادي للولايات المتحدة أن معظم فترات الركود سبقتها صدمات حادة في أسعار النفط، لا بوصفها سبباً مباشراً، بل كعامل مُضاعِف لأزمات كامنة تحت السطح. واليوم، تتراكم في آنٍ واحد عناصر ضغط خطيرة: دين قياسي، حرب مفتوحة، تضخم مستمر، وسياسة نقدية مشددة، ما يدفع الاقتصاد نحو حافة الركود ويرفع احتمالات الانزلاق، وإن لم يجعل هذا السيناريو حتمياً بعد.
ورغم هذه الصورة القاتمة، لا تزال الأسواق تراهن على أن ارتفاع أسعار النفط سيكون مؤقتاً، وهو ما يظهر في توقعات العقود المستقبلية التي لا تعكس استمرار الأسعار المرتفعة لفترة طويلة. هذا التفاؤل النسبي قد يخفف من حدة الصدمة، لكنه يبقى رهناً بتطورات الحرب نفسها.
في النهاية، لم تعد الحرب على إيران مجرد ملف خارجي بالنسبة للولايات المتحدة، بل أصبحت اختباراً داخلياً بامتياز. فنجاح واشنطن في إدارة هذا الصراع لن يُقاس فقط بنتائجه العسكرية، بل بقدرتها على حماية اقتصادها من تداعياته. وبين دين يتضخم بسرعة، وأسواق طاقة متقلبة، وقرارات سياسية مكلفة، تقف الولايات المتحدة أمام لحظة دقيقة قد تحدد ملامح اقتصادها في السنوات المقبلة.