تخطي إلى المحتوى
تحليل

المفارقة النقدية في لبنان: مصرف مركزي بلا عملة واقتصاد بلا ليرة

المفارقة النقدية في لبنان: مصرف  مركزي بلا عملة واقتصاد بلا ليرة

في الظروف الطبيعية، تتمثل المهمة الأساسية لأي مصرف مركزي في حماية العملة الوطنية وضمان استقرارها. العملة ليست مجرد وسيلة للدفع؛ بل هي وحدة الحساب التي تُسعَّر بها السلع والخدمات، ومخزن للقيمة يطمئن إليه الأفراد والمؤسسات، وأداة للتبادل تسمح للاقتصاد بأن يعمل بسلاسة. عندما تنهار هذه الوظائف الثلاث، لا ينهار سعر الصرف فقط، بل ينهار النظام الاقتصادي نفسه. غير أن الحالة اللبنانية تكشف مفارقة نادرة في علم الاقتصاد النقدي: بلد يملك مصرفاً مركزياً، لكنه لا يملك فعلياً العملة التي يعمل بها اقتصاده. لبنان اليوم يعيش حالة يمكن وصفها بـ الدولرة الواقعية؛ أي أن الدولار الأميركي أصبح العملة الفعلية للاقتصاد، حتى وإن بقيت الليرة اللبنانية العملة الرسمية في النصوص القانونية.

التحول لم يحدث بقرار سياسي رسمي، بل بفعل فقدان الثقة. فمع بداية الأزمة المالية في عام 2019، ومع الانهيار السريع في قيمة الليرة وتقييد السحوبات المصرفية، بدأ اللبنانيون تدريجياً في إعادة تنظيم حياتهم الاقتصادية حول الدولار النقدي. الأسعار الكبرى، من العقارات إلى السيارات والسلع المعمرة، أصبحت تُحدد بالدولار. الإيجارات تُسعَّر بالدولار. العديد من الرواتب في القطاع الخاص تُدفع بالدولار. حتى بعض الخدمات اليومية باتت تُقوَّم بالدولار أو بما يعادله.

في هذه البيئة، فقدت الليرة وظيفتين من وظائفها الأساسية. لم تعد مخزن قيمة يمكن الوثوق به، ولم تعد وحدة الحساب التي تُبنى عليها التعاقدات الاقتصادية. بقيت لها وظيفة محدودة هي تسهيل المدفوعات الصغيرة وبعض التعاملات المحلية، لكنها لم تعد الإطار النقدي الذي يُنظّم الاقتصاد.

هنا تظهر المفارقة الكبرى: مصرف لبنان هو مصرف مركزي لعملة لم تعد هي العملة الفعلية للاقتصاد. في الاقتصاد المدولر واقعياً، تتغير طبيعة السياسة النقدية جذرياً. فالمصرف المركزي يستطيع طباعة الليرة، لكنه لا يستطيع طباعة الدولار. يستطيع التأثير في الكتلة النقدية بالعملة المحلية، لكنه لا يتحكم بالعملة التي يعتمد عليها الاقتصاد في التسعير والادخار والتبادل.

بهذا المعنى، لم يعد مصرف لبنان يدير سياسة نقدية تقليدية بقدر ما يدير نظاماً نقدياً هجينا. هذا النظام يقوم على توازن هش بين ثلاث ركائز: الدولار النقدي المتداول في الاقتصاد، تحويلات اللبنانيين في الخارج، وإدارة الكتلة النقدية بالليرة بطريقة تحد من الانفجار التضخمي.

الدولار النقدي أصبح العمود الفقري للحياة الاقتصادية. فهو الوسيلة الأساسية للتبادل في العديد من القطاعات، وهو مخزن القيمة الذي يلجأ إليه الناس لحماية مدخراتهم، وهو العملة التي يُقاس بها الثمن الحقيقي للسلع والخدمات. غير أن هذا الدولار يعمل خارج المنظومة النقدية التقليدية. فهو في معظمه نقد ورقي متداول في الأسواق، وليس ودائع مصرفية داخل نظام مالي متكامل.

أما الركيزة الثانية فهي تحويلات المغتربين، التي تحولت إلى مصدر رئيسي لتدفق الدولار إلى الداخل. هذه التحويلات لا تمثل مجرد دعم اجتماعي للعائلات؛ بل أصبحت أيضاً أحد عناصر الاستقرار النقدي. فهي تغذي الاقتصاد بالدولار الذي يحتاجه للاستيراد وللحفاظ على الحد الأدنى من النشاط الاقتصادي.

الركيزة الثالثة تتمثل في إدارة الكتلة النقدية بالليرة. فالتجربة اللبنانية خلال السنوات الماضية أظهرت أن العلاقة بين الكتلة النقدية وسعر الصرف أصبحت شديدة الحساسية في اقتصاد فقد الثقة بعملته الوطنية. أي توسع سريع في إصدار الليرة يترجم فوراً ضغوطاً على سعر الصرف، فيما يؤدي التشدد المفرط في السيولة إلى اختناق في الاقتصاد المحلي. هذا التوازن الهش يجعل الاستقرار النقدي في لبنان ظاهرة مختلفة تماماً عن الاستقرار النقدي التقليدي. فهو ليس استقرار عملة وطنية قوية، بل استقرار نظام نقدي مختلط يقوم على تعايش (Coexistence) بين عملة رسمية ضعيفة وعملة أجنبية تهيمن على النشاط الاقتصادي. في هذا السياق، يصبح السؤال الحقيقي: ما هي وظيفة المصرف المركزي في اقتصاد كهذا؟

في الأنظمة النقدية التقليدية، يركز المصرف المركزي على إدارة التضخم وسعر الصرف وأسعار الفائدة عبر أدوات واضحة مثل السياسة النقدية وإدارة السيولة المصرفية. أما في لبنان، فقد أصبحت المهمة الأكثر واقعية هي حماية وظائف النقد نفسها. أي ضمان استمرار القدرة على الدفع، وتأمين الحد الأدنى من السيولة في الأسواق، والحفاظ على قنوات التحويلات من الخارج، ومنع النظام النقدي الهجين من الانهيار الكامل. غير أن هذه المهمة ليست سهلة على الإطلاق. فالمصرف المركزي يحاول إدارة اقتصاد يعتمد في جزء كبير منه على عملة لا يصدرها ولا يستطيع التحكم في عرضها. كما أن جزءاً مهماً من الدولار المتداول موجود خارج النظام المصرفي، في اقتصاد نقدي يصعب تنظيمه أو مراقبته. وفي الوقت نفسه، فإن أي توسع كبير في إصدار الليرة قد يعيد إشعال دوامة انهيار سعر الصرف، بينما يؤدي التشدد المفرط في السيولة إلى خنق النشاط الاقتصادي. لهذا السبب، فإن إدارة هذا التوازن الدقيق بين الليرة والدولار، وبين السيولة والاستقرار، أصبحت واحدة من أكثر المهام تعقيداً التي يمكن أن يواجهها مصرف مركزي في اقتصاد يعيش أزمة ثقة عميقة.

هذه المهمة لا تعني الدفاع الرمزي عن الليرة بقدر ما تعني الحفاظ على قدرة الاقتصاد على العمل. ففي بلد يعتمد بشكل واسع على الدولار النقدي، يصبح استقرار النظام النقدي مرتبطاً بقدرة الناس على الوصول إلى الدولار والتعامل به، وبقدرة الدولة على إدارة العلاقة بين العملتين من دون انفجار اجتماعي.

غير أن هذا الوضع لا يمكن أن يشكل حلاً دائماً. فالاقتصاد الذي يعمل بعملة لا يصدرها، ويعتمد على تدفقات خارجية غير مضمونة، يظل اقتصاداً هشاً بطبيعته. الاستقرار الذي يبدو ظاهرياً قد يخفي وراءه اختلالات عميقة، لأن الدولة فقدت أحد أهم أدوات السيادة الاقتصادية: القدرة على إدارة عملتها.

المفارقة النقدية في لبنان تكشف إذاً عن أزمة أعمق من مجرد انهيار سعر الصرف. إنها أزمة ثقة في الدولة نفسها. العملة الوطنية هي في النهاية مرآة للثقة بالمؤسسات. عندما تتآكل هذه الثقة، يبحث المجتمع تلقائياً عن بدائل تحفظ القيمة وتؤمن الاستقرار.

من هنا، فإن إعادة بناء النظام النقدي في لبنان لن تكون مسألة تقنية تتعلق بتعاميم مصرفية أو بإجراءات نقدية قصيرة الأجل. إنها مسألة سياسية واقتصادية أعمق تتعلق بإعادة بناء الثقة بالدولة وبمؤسساتها.

حتى ذلك الحين، سيبقى لبنان يعيش هذه المفارقة الفريدة: مصرف مركزي يدير اقتصاداً لا يعمل بعملته، واقتصاد يعمل بعملة لا يملكها.