تخطي إلى المحتوى
تحليل

التركيز على رياض سلامة هو صالحٌ أُريد فيه باطل!

التركيز على رياض سلامة هو صالحٌ أُريد فيه باطل!

هناك محاولات عديدة من قبل من إستفحلوا في الإستفادة من السياسات النقدية السابقة لزعزعت المشهد على الساحة المالية. وأخص بالذكر هنا السياسات التي تم إعدادها وإصدارها على مقاس مكونات الطبقة السياسية وليس لمصلحة الإقتصاد الوطني. الوضع النقدي اليوم هو نسبياً مستقر!

ليعلم الجميع أن السيناريوهات السوداوية التي يرسمها "هؤلاء" – ويعرفون أنفسهم - ويتداول بها وبتداعياتها لجهة موعد إنتهاء ولاية رياض سلامة الخامسة على رأس السلطة النقدية هي خرافية بالشكل والمضمون.

لا شك بأن مكونات الطبقة السياسية عندنا في لبنان قادرة على إنتاج وتظهير العجائب حفاظاً على مكاسبها السياسية ولو جاء ذلك على حساب الوطن والمواطن؛ ولكن هذا لايكون رياض سلامة او مصرف لبنان السبب او المسبب لأي صدمة سلبية قد تحدث عند او مواكبةً للإنتهاء من إقامته على رأس السلطة النقدية. الكل بات يلعم الحقيقة اليوم.

أداء السلطة السياسية هو السبب وراء فقدان ثقة المواطن اللبناني بالقطاع المالي والنقد الوطني واللجوء إلى التداول بالأوراق النقدية او السعي وراء الحصول على عملة رديفة كالدولار الأميركي. إنعدام الجدّية والمسؤولية في إدارة المالية العامة والإفراط في الإنفاق من ثروة الوطن على الزبائنية السياسية، وعدم الإهتمام بترشيد الإنفاق وتفعيل تحصيل الإيرادات للدولة، إضافة إلى الإستهتار بالحفاظ على إستقلالية القضاء والمصرف المركزي، وعدم الحفاظ على البنية التحتية. وأخيراً، عندما وقعت الأزمة، إنسحبت مكونات الطبقة السياسية القادرة على إتخاذ القرارات الإصلاحية من مسؤولياتها واختارت تقذف التهم في ما بينها عوضاً عن الإهتمام بإخراج لبنان من أزمته. كل ذلك هو من إنتاج وتقديم السلطة السياسية الحاكمة. قد يكون لمصرف لبنان دوراً داعماً لهذا الأداء المدمر، وهناك جدل كبير حول خيارات المركزي في تمويل الفاسد او إنقاذ الفاشل في الحكم إذا جاء ذلك نتيجة توافق بين مكونات الطبقة السياسية.

واكبت السلطة الحاكمة المتعاقبة بكل مكوناتها، من تشريعية وتنفيذية، أداء المصرف المركزي برئاسة رياض سلامة على مدة ثلاث عقود ومن دون مساءلة او محاسبة، ومع التأكيد على ضرورة إستمرار توليه لهذا المنصب. وهذا يعني شيء واحد وهو أن هناك منفعة مشتركة من وجود هذه المكونات سوية في الحكم وجهدوا وإجتهدوا للحفاظ على ذلك خلال السنوات الماضية. إنهم وجهان لعملة واحدة وفصلهما عن بعض هو شبه مستحيل، لذلك يجب التخلي عن هذه العملة الفاسدة، بوجهيها السياسي والنقدي، التي هلكت البلاد والعباد. ولكن حتى أن يأتي هذا اليوم، دعنا أن نكون واقعيين ونمارس المنطق في قراءة المشكل ومقاربة الحل الممكن.

أسمح لنفسي أن اقول وبكل تواضع أن مغادرة رياض سلامة مكتبه على الطابق السادس لمصرف لبنان في شارع الحمرا في بيروت لن يُلغي بصماته عن السياسة النقدية في لبنان وخصوصاً في إدارة الأزمة، والتي سوف تبقى معنا وبيننا لسنوات عديدة ومديدة، وذلك فقط بسبب فشل مكونات الطبقة السياسية في إدارة البلاد في زمن الرخاء وفي زمن البلاء.

بصمات سلامة على الساحة النقدية سوف تنعكس، ومن دون أي شك، على قرارت نواب الحاكم في مرحلة ما بعد سلامة، شاء من شاء و أبا من أبا! أداء رياض سلامة كان ملطخاً وملوثاً بفساد الطبقة السياسية على مدار سنوات ولن يتبخر ذلك خلال أيام او أسابيع. رياض سلامة أعاد كتابة قانون النقد والتسليف بمباركة السلطة التشريعية، ولا أحد يستطيع القفز فوق هذا الواقع أو إنكاره عند صياغة خطط التعافي أو الإنقاذ، او حتى عند رسم خريطة الطريق للمركزي لحقبة ما بعد سلامة.

ما يطالب به نواب الحاكم اليوم للقبول بإدارة السلطة النقدية ليس بجديد؛ إنه عين الصواب، ولكنه صعب المنال! كل ما تم ذكره بكتاب نواب الحاكم للجنة الإدارة والعدل أصبح حديث البلد وجاء على ذكره أصدقاء لبنان في مؤتمرات عدة من باريس 1، و 2، و 3 و سيدرز وجاء ايضاً في تقارير وتصاريح البنك الدولي وصندوق النقد الدولي. وما لم يحصل في السابق لن يحصل اليوم لأن من رفضه في السابق مازال هو اليوم الحكم والحاكم بأمر البلاد والعباد.

لو كان قدر لبنان أن تستيقظ مكونات الطبقة السياسية من غفوتها، لكانت حصلت في سنة ال 2020 وتفادى لبنان إنفجار مرفأ بيروت في 4 آب، أو في 7 آذار 2020 وتحرر لبنان من التداعيات المدمرة للتعثر الغير منظم عندما قررت حكومة حسان دياب التوقف التام عن خدمة الدين، وغيرها من محطات وفرص كانت في متناول أيدي الأحزاب السياسية الحاكمة وكان بإستطاعتهم إستغلالها وإستثمارها لإحداث إنعطافة إستراتيجية في أداء السلطة والذهاب نحو الإصلاح، ولكن ... الكل يعلم ما حصل!

الأكيد اليوم هو أن رياض سلامة ذاهب إلى المنزل عند إنتهاء ولايته المئوية، وهذا هو الشعور عند الكثيرين - طالت إقامته لدرجة أنها أصبحت غير مرحب بها. والأكيد الآخر هو انه لن يكون هناك فراغ في رئاسة السلطة النقدية. وهناك خيارين لا ثالث لهما إلا إذا إختارت مكونات السلطة السياسية إضافة جديدة إلى إنجازاتها المسرطنة.

إذا كان إحترام القانون والدستور وارد في الإنتقالة إلى حقبة ما بعد سلامة، فإستناداً لقانون النقد والتسليف وسيم منصوري حاكم لمصرف لبنان في 1 آب 2023 وبصلاحيات الحاكم كاملة. أي له كامل الصلاحيات لإحداث إنعطافة إستراتيجية في اداء السياسة النقدية.

أما إذا كان الحفاظ على المكاسب السياسية هو على سلم أولويات الطبقة السياسية في هذا الاستحقاق، فمن المتوقع أن تلجأ الطبقة الحاكمة إلى الهندسات السياسية التي غالباً ما تُولد من رحم الفساد، وبهذا تطلب المكونات السياسية من نواب الحاكم الأربعة التقدم من مجلس الوزراء بإستقالة جماعية، وبعدها يتم تكليف نواب الحاكم الأربعة مجتمعين بإدارة هذا المرفق العام وتيسير الأعمال فيه. عندها يكون قد تم إبراء النائب الأول للحاكم من الفائض في المسؤولية في إدارة هذا المرفق بتوليه مفرداً منصب الحاكم! من سلبيات هذه الإنتقالة هي الضبابية في توفر الصلاحيات وتوزيعها. من المرجح عندها ان تبقى الأمور على ما هي حتى توفر الظروف لتعيين حاكم أصيل لمصرف لبنان.

وأُنهي بالقول بأنه بإنتظار أن تنتفض مكونات الطبقة الحاكمة وتندفع نحو إنقاذ الكيان اللبناني، أثبت القطاع الخاص في لبنان قدرة إستثنائية على الصمود، وشارع إلى إنقاذ الذات من خلال إعادة ترتيب البيت الداخلي لكل مؤسسة، وإعادة الهيكلة بما يتماشى مع متطلبات السوق، واليوم هذا القطاع هو في مرحلة التعافي بإنتظار الإصلاحات الضرورية حتى ينطلق نحو النمو الإقتصادي المستدام. لاخوف على لبنان اليوم لأن الدولة أصبحت عاجزة على الاستيلاء والسيطرة على الإقتصاد. تحرر الإقتصاد من سلطنتها وهو اليوم يعود تدريجياً إلى مكانه الطبيعي. المطلوب من الدولة اليوم إنقاذ ذاتها مكوناتها من الاستبعاد الإقتصادي قبل فوات الأوان.