في خضمّ البحث عن سياسة جديدة لحاكمية مصرف لبنان تحفظ ما تبقى من احتياطه بالعملات الأجنبية، خصوصاً أن ميزانية مصرف لبنان لحظت في الأسبوعين الأخيرين انخفاضاً في الاحتياطي الإلزامي بقيمة 600 مليون دولار، قد تكون استُخدمت في ضبط سوق القطع للالتفاف على أي تفلت يوصل بسوق القطع إلى فوضى وهذا ما دفع الجميع للوقوف امام الكلام الذي اعلنه حاكم مصرف لبنان بالوكالة وسيم منصوري بأنه "لن يتمّ التوقيع على أيّ صرف لتمويل الحكومة إطلاقاً خارج قناعاتي وخارج الإطار القانوني وانه لا يمكن للبلد أن يستمر من دون إقرار قوانين الكابيتال كونترول وهيكلة المصارف والتوازن المالي ، وان تشريع الصرف من التوظيفات الإلزامية من مصرف لبنان يجب أن يكون مشروطاً برد الأموال ويجب ان يكون التشريع لفترة محددة ومشروطة .
وفي ظل السجال الذي دار بين رئيس حكومة تصريف الاعمال والمجلس النيابي حول تقديم اقتراح قانون يسمح للحكومة بالاستدانة لتامين رواتب الموظفين وشراء الدواء لمدة ستة اشهر ورفض الكتل النيابية البحث في اي تشريع جديد قبل انتخاب رئيس جديد للجمهورية .
"مجلة 24" التقت كبير الاقتصاديين في بنك بيبلوس الدكتور نسيب غبريل للاطلاع منه على المرحلة المقبلة بعد تسلم النائب الاول الحاكمية ورأيه باقتراحات النواب الاربعة التي قدموها الى لجنة الادارة والعدل النيابية وكلام النائب الاول بأنه لن يدين الدولة وان على احكومة ان تعالج مشكلة العجز وتبدأ باقرار القوانين الاصلاحية وان تقر الموازنة هذا الشهر.
استهل غبريل كلامه بالقول " أولا بالنسبة لاستدانة الدولة من مصرف لبنان، الذي حدث هو أن النواب الأربعة لحاكم مصرف لبنان قدّموا إقتراحات الى لجنة الإدارة والعدل، تنصّ على إقرار مشاريع قوانين منها مشروع موازنة 2023 في هذا الشهر، مشروع الكابيتال كونترول، مشروع قانون إعادة التوازن المالي، مشروع قانون إعادة هيكلة المصارف، إضافة الى مشروع قانون يسمح للدولة الإستدانة من مصرف لبنان بسقف 200 مليون دولار في الشهر مدته 6 أشهر على أن تدفعهم الدولة بغضون سنة ونصف السنة.
اضاف : صحيح أنه يجب ضبط الإستدانة من مصرف لبنان، بما أن إحتياط العملات الأجنبية الى تراجع، حيث تراجع الإحتياطي أول 7 أشهر من السنة مليار و400 مليون دولار ، أي تقريباً 14% ، ووصل الى 8 مليارات دولار و800 مليون دولار، أي ما دون 9 مليارات دولار، منهم تراجع ب 608 ملايين دولار في آخر أسبوعين من شهر تموز.
من جهتي يضيف غبريل كنت أفضّل أن يصرّ المصرف المركزي على إستقلاليته، وبدل محاولة الوصول الى التفاهم مع مجلس النواب والحكومة على الإستدانة من الإحتياطي الإلزامي، كان عليه الطلب من الحكومة أن تجد مصدر تمويل آخر غيره، لأن مصرف لبنان لديه أولويتين هما: المحافظة على السوق النقدي ومعالجة سوق القطع وتنظيم القطاع المصرفي. أما تمويل الدولة للقطاعات الأخرى فهي ليست من مسؤولياته بل مسؤولية الحكومة، فمن واجبها أن تجد مصادر لإيراداتها وتوقف الإدمان على الإستدانة من مصرف لبنان.
وقال غبريل " لقد رأينا أن الدولة هذه السنة رفعت العديد من الضرائب والرسوم.. مثلا قامت برفع 4 أو 5 مرات الدولار الجمركي أيّ التعرفة الجمركية، أيضاً رفعت تعرفة الكهرباء وربطتها بسعر صرف الدولار على منصة صيرفة، وأيضاً تعرفة الإتصالات، واليوم تمّ الإتفاق في مجلس الوزراء على رفع تعرفة الإتصالات 7 مرات. واذا قمنا بالبحث في مشروع موازنة 2023، نرى أن الهدف الرئيسي زيادة الإيرادات من خلال جبل من الرسوم والضرائب التي لا تعدّ ولا تحصى، مما يستهدف القطاع السياحي والصناعي والعقاري. ومع كل هذا لدينا عجز في الموازنة يبلغ 19% من النفقات. لذا على الحكومة أن تبحث عن مصادر دخل من مصادر مهملة من الحكومات المتعاقبة كمكافحة التهرّب الضريبي، تفعيل الجباية، محاربة التهرّب الجمركي، والتهريب عبر الحدود في الإتجاهين، وتطبيق قوانين تدرّ ايرادات لا تطبّق أو تطبّق إنتقائياً، وفرض ضريبة إستثنائية على كل من احتكر وخزّن وهرّب السلع والمواد المستوردة التي كانت مدعومة، وفرض ضريبة إستثنائية على المؤسسات التي سدّدت القروض التي أخذتها من المصارف قبل الأزمة بالدولار وسدّدتها خلال الأزمة الإقتصادية بالليرة اللبنانية على سعر صرف الرسمي القديم أو عبر شيك دولار ، وقيمته عملياً ضئيلة جداً من قيمة القرض، كما هناك موضوع الأملاك البحرية.
وتابع :أما على المدى المتوسط، يجب تسليم ادارة المؤسسات العامة ذات الطابع التجاري الى شركات عالمية كالكهرباء والإتصالات والنقل والطرقات والمرافئ وإنشاء هيئات ناظمة، لتتحوّل هذه المؤسسات من مؤسسات خاسرة الى أخرى رابحة تُنعش إيرادات الخزينة. إذن المصادر موجودة لكن التطبيق يتطلب الإرادة، وعلى مصرف لبنان أن يكون واضحاً ويرفض تسليف الحكومة وعدم السماح لها بالإلحاح على السؤال: من أين سنأتي لدفع الأجور والرواتب وتأمين الفيول وغيرها من المتطلبات ، كما أن هناك موضوع من عام 2017 نسمع عنه وتحدثت عنه اللجان النيابية وهو أن هناك أكثر من 90 مؤسسة عامة وهيئة وصندوق انتفى سبب وجودهم ويجب دمجهم أو إغلاقهم، الأمر الذي يعطي مؤشراً إيجابياً بإصلاح القطاع العام في حال بدء العمل جدياً، اضافة الى ضرورة إلغاء آلاف الوظائف الوهمية التي يصل الى حساباتها كل شهر رواتب وأجور.
أما آخراً وليس أخيراً، فإضراب موظفي القطاع العام من سنتين الى اليوم وهم قابعين في منازلهمُ أكانوا في الدوائر العقارية أو مصلحة تسجيل السيارات أوالجمرك، ففي حال عادوا الى العمل تزيد ايرادات الخزينة من خلال تصريف المعاملات المتكدسة، وعلى الحكومة قبل ان ترفع الاجور وبدل النقل ان تكون صارمة في هذا الموضوع وان لا تقول لا يوجد اموال للدفع لهولاء الموظفين وتذهب الى مصرف لبنان للحصول على الاموال .
وانا اعتقد يضيف غبريل ان مصرف لبنان يجب أن يفرض إستقلاليته وكل سلطة يجب أن تقوم بواجباتها ، فصندوق النقد الدولي في زيارته الأخيرة الى لبنان، ذكر في بيانه الصحفي أن تطبيق الإصلاحات والخروج من الأزمة يجب أن يكون بالتعاون بين السلطة التنفيذية والسلطة التشريعية والسلطة النقدية، وليس فقط السلطة النقدية، كأنه يقول بطريقة غير مباشرة أنه من غير المقبول الإعتماد على مصرف لبنان.
وهنا اود ان اشير الى نقطة مهمة وهي أن مصرف لبنان وضع في ميزانيته المجمّعة بنداً يقول فيه أنه في بداية 2019 دفع متوجبات الحكومة مقابل ضمانات عبارة عن ودائع القطاع العام بالعملة اللبنانية على أن يدفعهم بالدولار الأميركي مقابل أن تدفعهم الدولة لاحقاً بدون أيّ تاريخ محدّد ، اذن الدولة رأت أن لا تلتزم ب 31 مليار دولار سندات يورو بوند في آذار 2020 ، و اليوم في حال اقر مجلس النواب هذا القانون، فماذا يحصل في حال طلبت الحكومة مرة أخرى الاستلاف بسبب تأخرها في الإصلاحات؟ لا، فمن واجب مصرف لبنان الحفاظ على الإحتياطات والإعتذار من الحكومة عن التسليف لأن من أولوياته الحفاظ على الإستقرار النقدي وتنظيم القطاع ألمصرفي.