من الأفضل التركيز على ما قد ينتج من تغيرات إستراتيجية في تركيبة السلطة النقدية والتداعيات الطويلة الأمد على الإقتصاد في مرحلة ما بعد تظهير نتائج التدقيق الجنائي بنسخته النهائية وليس الأولية. التقرير المبدئي كان إنتاج مجموعة من القيود من قبل مصرف لبنان في تأمين المعلومات والبيانات، وقيود من نوع آخر وضعت من قبل شركة آلفاريز آند مارسل (A&M) لجهة عدم السماح بإستعمال مضمون التقرير لمقاضات أيّ من الأفراد أو/و المؤسسات التي ظهرت أسماؤهم في التقرير. رغم كل هذه القيود، العبرة بالنتائج!
إذا كان هناك ثقة بنتائج التدقيق الجنائي في حسابات مصرف لبنان رغم كل الصعاب التي واجهتها شركة آلفاريز آند مارسل، فيجب:
١. محاسبة كل أعضاء المجلس المركزي لمصرف لبنان، وأعضاء الهيئة المصرفية العليا الذين خدموا خلال هذه الحقبة الزمنية للإحتفاظ بوظائفهم ورواتبهم والتخلي عن مسؤولياتهم أمام الشعب وأمام القانون.
٢. محاسبة شركات التدقيق العالمية المعتمدة من قبل مصرف لبنان وتغريمها وتجميد عملها في لبنان لمدة لا تقل عن الخمس سنوات، وإتهامهم بالتعمد إلى التعتيم على حقيقة أداء المجلس المركزي لمصرف لبنان.
٣. إعادة هيكلة مصرف لبنان:
- فصل لجنة الرقابة على مصارف وهيئة التحقيق الخاصة عن سلطنة الحاكم وتفعيل عملهما الرقابي،
- وتطوير عمل مديرية تدقيق داخلي داخل مصرف لبنان وإلزامها بتقديم تقارير التدقيق الداخلي السنوي مباشرة إلى القضاء المختص،
- وحصر مدة التعاقد مع شركات التدقيق الخارجي(External Auditors) إلى خمس سنوات متتالية كحد أقصى مع الشركة الواحدة.
- إنشاء مديرية لإدارة المخاطر المالية والتشغيلية داخل مصرف لبنان.
وفي المقلب الآخر، تقرير التدقيق الجنائي تحدث عن أخطاء إرتكبتها السلطة النقدية بتغطية من السلطة السياسية الحاكمة، وحجم الأخطاء يستند على ما توفر من معلومات، وكان هناك إعتراف من قبل الشركة بأن القيود على جمع البيانات كانت كبيرة وشبه تعحيزية.
عندما يكون هناك إختلاس من قبل مكونات السلطة، يبقى السؤال الأهم: هل سوف نشهد مساءلة ومحاكمة للمتهمين، أو تغطية وتعتيم "وعفو عام" كما حصل بعد الحرب الأهلية؟! يعيش لبنان حالة حرب أهلية إقتصادية منذ تشرين 2019 لأن المعتدي والضحية هم من الداخل اللبناني، وهناك خوف جدي من أن المماطلة بإقرار الإصلاحات وتنفيذها من قبل مكونات السلطة الحاكمة (المعتدي) وراءها محاولة لإنتاج عفو عام تنتهي فيها هذه الجولة من الحرب الأهلية بأضرار نفسية ومادية بأغلبيتها.
التقرير أضاء على أين إختفت أموال المودعين، ولكن لا يساعد محتوى التقرير على إستردادها، ولا يوحد ضمانة لذلك إن لم يكن هناك مساءلة ومحاسبة ومحاكمة وحجز ومصادرة أملاك المرتكبين من القضاء اللبناني المختّص، ونقطة الإنطلاق لن تكون إلا من خلال قضاء يتمتع بالإستقلالية المطلوبه لأداء مهامه.