تخطي إلى المحتوى
تحليل

من ايران الى الصين ما هي العوامل التي تحرك الذهب

من ايران الى الصين ما هي العوامل التي تحرك الذهب

على مدار الأشهر الماضية، انشغل المستثمرون والمحللون بتفسير تحركات الذهب من خلال عدسة التطورات الجيوسياسية، وتحديداً التوترات المرتبطة بإيران والشرق الأوسط. ورغم أن هذا التفسير يبدو منطقياً للوهلة الأولى، فإنني أرى أن الأسواق غالباً ما تقع في فخ المبالغة في تقدير أثر الأحداث السياسية قصيرة الأجل، بينما تتجاهل المحركات الاقتصادية الأكثر عمقاً واستدامة. فمن وجهة نظري، لم تكن الحرب هي العامل الرئيسي الذي حدد اتجاه الذهب خلال الفترة الماضية، بل كانت مجرد ضوضاء إعلامية غطت على العوامل الحقيقية التي كانت تتحكم بالسوق منذ البداية، وعلى رأسها التضخم والسياسة النقدية الأمريكية وقوة الدولار.

وعندما ننظر إلى أداء الذهب خلال ذروة التوترات الجيوسياسية، نلاحظ أن المعدن الأصفر لم يستفد بالشكل الذي كان يتوقعه الكثيرون من تصاعد المخاطر. بل على العكس، شهد الذهب موجات بيع متتالية رغم استمرار حالة عدم اليقين السياسي. وهذا يدفعنا إلى طرح سؤال جوهري: إذا كانت الجيوسياسة هي المحرك الرئيسي، فلماذا لم يستطع الذهب الحفاظ على مكاسبه؟ الإجابة تكمن في أن المستثمرين كانوا يراقبون في الواقع شيئاً أكثر أهمية وتأثيراً، وهو مسار التضخم الأمريكي ورد فعل الاحتياطي الفيدرالي تجاهه.

ومن وجهة نظري، فإن العلاقة بين التضخم والفائدة والدولار تمثل اليوم المحرك الأساسي لسوق الذهب العالمي. فكلما ارتفعت الضغوط التضخمية، ازدادت احتمالات تبني الاحتياطي الفيدرالي سياسة نقدية أكثر تشدداً، سواء عبر الإبقاء على أسعار الفائدة مرتفعة لفترة أطول أو حتى اللجوء إلى رفع إضافي للفائدة إذا اقتضت الظروف. هذه التوقعات تدعم الدولار الأمريكي وترفع العوائد الحقيقية على السندات، وهو ما يشكل بيئة سلبية للذهب الذي لا يدر عائداً لحائزيه. لذلك أعتقد أن أي قراءة مرتفعة للتضخم خلال الأشهر المقبلة ستكون عاملاً أكثر تأثيراً على الذهب من أي تطور جيوسياسي منفرد.

وما يزز هذه الرؤية أن الأسواق عادت سريعاً إلى تسعير احتمالات تشديد السياسة النقدية بمجرد ظهور مؤشرات على استمرار الضغوط التضخمية. وخلال فترة قصيرة، انتقلت توقعات المستثمرين من الحديث عن سياسة نقدية أكثر مرونة إلى إعادة النظر في احتمالات رفع الفائدة أو تأجيل خفضها. هذه التحولات السريعة في توقعات الفيدرالي كانت كافية لإعادة الزخم إلى الدولار وإضعاف شهية المستثمرين تجاه الذهب، وهو ما يؤكد أن السياسة النقدية لا تزال صاحبة الأثر الأكبر في تحديد الاتجاه العام للمعدن النفيس.

وفي المقابل، لا يمكن تجاهل التطورات الإيجابية القادمة من آسيا، وخاصة الصين، التي سجلت أعلى مستويات واردات الذهب منذ عامين تقريباً. وبرأيي، فإن هذه البيانات تحمل دلالات مهمة للغاية لأنها تؤكد استمرار الطلب الاستثماري طويل الأجل على الذهب، حتى في ظل التراجعات السعرية الأخيرة. كما أن استمرار البنك المركزي الصيني في تعزيز احتياطياته من الذهب يعكس توجهاً استراتيجياً يتجاوز الاعتبارات السعرية قصيرة الأجل. ولذلك أرى أن الطلب الآسيوي يشكل حالياً أحد أهم عوامل الدعم الهيكلية لسوق الذهب على المدى المتوسط والطويل.

لكن في الوقت ذاته، يجب التمييز بين العوامل الداعمة طويلة الأجل والعوامل المؤثرة على حركة السعر الآنية. فارتفاع الواردات الصينية أو مشتريات البنوك المركزية لا يعني بالضرورة أن الذهب سيتجه مباشرة نحو قمم جديدة. فالأسواق المالية تتحرك وفق مزيج معقد من التدفقات الاستثمارية وتوقعات السياسة النقدية ومستويات السيولة العالمية. وفي المرحلة الحالية، يبدو أن تأثير الدولار والفائدة لا يزال أقوى من تأثير الطلب الفعلي على المعدن، وهو ما يفسر استمرار الضغوط البيعية رغم قوة الطلب الآسيوي.

كما أعتقد أن هناك عاملاً آخر لا يحظى بالاهتمام الكافي، وهو التغير في سلوك المستثمرين تجاه الأصول عالية المخاطر. فعندما تبدأ موجات التصحيح في أسواق الأسهم والتكنولوجيا، لا يتجه المستثمرون دائماً إلى الذهب بشكل مباشر كما يعتقد الكثيرون. ففي بعض الأحيان، وخاصة خلال فترات الضغوط المالية الحادة، يتحول الذهب نفسه إلى مصدر للسيولة، حيث يقوم المستثمرون ببيع جزء من حيازاتهم لتغطية خسائرهم أو تقليص انكشافهم على المخاطر. وهذا ما يفسر لماذا شهدنا في بعض الفترات تراجع الذهب بالتزامن مع هبوط الأسهم بدلاً من ارتفاعه كملاذ آمن.

وانطلاقاً من هذه المعطيات، أرى أن مستقبل الذهب خلال النصف الثاني من العام سيعتمد بصورة أساسية على ثلاثة متغيرات رئيسية: أولاً، اتجاه التضخم الأميركي ومدى استمراره فوق المستويات المستهدفة. ثانياً، رد فعل الاحتياطي الفيدرالي تجاه تلك البيانات ومدى استعداده للإبقاء على السياسة النقدية المتشددة. وثالثاً، قدرة الطلب الآسيوي والبنوك المركزية على امتصاص الضغوط البيعية القادمة من الأسواق المالية العالمية. وإذا استمرت بيانات التضخم في مفاجأة الأسواق صعوداً، فإن الذهب قد يواجه مزيداً من التقلبات والضغوط قصيرة الأجل حتى مع استمرار قوة الطلب الفعلي عليه.

وفي النهاية، أعتقد أن المستثمرين الذين يربطون كل حركة للذهب بالأحداث الجيوسياسية فقط يخطئون في قراءة الصورة الأكبر. فالحروب والأزمات قد تخلق تقلبات مؤقتة وتؤثر على المعنويات، لكنها لا تستطيع تغيير الاتجاهات الاقتصادية الأساسية لفترات طويلة. أما التضخم والفائدة والدولار والسيولة العالمية، فهي القوى الحقيقية التي ترسم مسار الذهب على المدى المتوسط والطويل. ولهذا السبب، فإن توقعاتي الحالية تميل إلى بقاء الذهب تحت تأثير ضغوط السياسة النقدية الأمريكية في الأجل القريب، مع استمرار وجود دعم استراتيجي قوي من مشتريات البنوك المركزية والطلب الآسيوي، وهو ما يجعل أي تراجعات حادة محتملة فرصاً لإعادة بناء المراكز الاستثمارية طويلة الأجل بدلاً من اعتبارها بداية لانهيار هيكلي في سوق المعدن الأصفر.