رغم أن الاقتصاد الأميركي لا يزال يسجل نمواً رسمياً وتُظهر البيانات أن الناتج المحلي الإجمالي ارتفع بمعدل سنوي بلغ 2.1% خلال الربع الأول من عام 2026، فإن شعور شريحة واسعة من الأميركيين لا يعكس هذه الصورة الإيجابية. فثقة المستهلكين تراجعت إلى مستويات تقترب من تلك التي شهدتها البلاد خلال الأزمة المالية العالمية عام 2008، ما يطرح تساؤلات حول حقيقة الوضع الاقتصادي وما إذا كانت الأرقام الرسمية تعكس الواقع الذي يعيشه المواطن العادي.
يعيش الاقتصاد الأميركي اليوم حالة من التناقض الواضح. فمن جهة، يستمر قطاع الذكاء الاصطناعي في جذب استثمارات ضخمة وتحقيق مكاسب كبيرة تدفع أسواق الأسهم إلى الارتفاع، ومن جهة أخرى تشهد قطاعات واسعة من الاقتصاد حالة من التردد والجمود. العديد من الشركات تؤجل خطط التوسع والاستثمار بسبب حالة عدم اليقين المرتبطة بالسياسات الاقتصادية والتجارية، ما ينعكس مباشرة على سوق العمل.
ورغم أن معدلات البطالة لا تزال منخفضة نسبياً، فإن المشكلة الحقيقية تكمن في ضعف التوظيف الجديد. فالشركات لا تقوم بتسريح أعداد كبيرة من الموظفين، لكنها في الوقت نفسه لا تفتح فرص عمل كافية. ونتيجة لذلك يشعر كثير من العاملين بالقلق، ليس خوفاً من فقدان وظائفهم الحالية بقدر ما هو خوف من عدم القدرة على العثور على وظائف جديدة إذا اضطروا إلى مغادرتها. كما ارتفع عدد الباحثين عن عمل لفترات طويلة، وهو مؤشر غالباً ما يعكس ضعفاً كامناً في سوق العمل حتى عندما تبدو معدلات البطالة مستقرة.
في الوقت نفسه، لا يزال التضخم يشكل تحدياً رئيسياً للاقتصاد الأميركي، إذ تجاوز 4% خلال شهر ايار مايو، ما دفع الاحتياطي الفيدرالي إلى الإبقاء على نهجه المتشدد مع احتمال رفع أسعار الفائدة مجدداً في المستقبل. ورغم أن هذه السياسة تهدف إلى كبح التضخم، فإنها تزيد من تكلفة الاقتراض على الأفراد والشركات، وتؤثر سلباً على الاستثمار والنشاط الاقتصادي في العديد من القطاعات.
وتظهر مؤشرات عديدة أن الضغوط الاقتصادية تتركز بشكل أكبر على الطبقة الوسطى وذوي الدخل المحدود. فقد ارتفعت معدلات التأخر في سداد بطاقات الائتمان وقروض السيارات، كما تشير تقارير قطاع التجزئة إلى أن المستهلكين يتجهون بشكل متزايد نحو السلع الأرخص سعراً لتخفيف أعباء المعيشة. وفي المقابل، يستمر أصحاب الدخول المرتفعة في الإنفاق والاستثمار، مستفيدين من الارتفاعات القوية في أسواق المال.
وتكشف البيانات أن أغنى 10% من الأسر الأميركية يمتلكون نحو 87% من الأسهم المتداولة في الأسواق المالية، ما يعني أن معظم المكاسب التي تحققها البورصة تذهب إلى شريحة محدودة من المجتمع. كما أصبح أصحاب الدخل الأعلى مسؤولين عن نسبة متزايدة من الإنفاق الاستهلاكي، الأمر الذي يعكس اتساع الفجوة الاقتصادية بين الأغنياء وبقية السكان.
ويحذر عدد من الاقتصاديين من أن الاقتصاد الأميركي قد يكون أكثر هشاشة مما توحي به المؤشرات العامة. فطفرة الذكاء الاصطناعي التي تدعم النمو الحالي تذكر البعض بفقاعة التكنولوجيا التي سبقت انهيار الأسواق مطلع الألفية، كما أن ظهور بعض حالات التعثر في أسواق الائتمان يثير مخاوف من وجود مشاكل أعمق قد تظهر مستقبلاً.
ستمر المؤشرات الرسمية في تسجيل نمو اقتصادي، يشعر ملايين الأميركيين بأن فرصهم أصبحت أقل، وأن قدرتهم الشرائية تتراجع، وأن المستقبل الاقتصادي بات أكثر غموضاً مما كان عليه في السنوات الماضية.
في المحصلة، لا تبدو الولايات المتحدة أمام ركود اقتصادي واضح حتى الآن، لكن الواقع يكشف عن اقتصاد غير متوازن يستفيد منه قطاع التكنولوجيا والأسر الأكثر ثراءً بدرجة أكبر بكثير من بقية المجتمع. وبينما تستمر المؤشرات الرسمية في تسجيل نمو اقتصادي يشعر ملايين الاميركيين بأن فرصهم اصبحت اقل وان قدراتهم الشرائية تتراجع ، وان المستقبل الاقتصادي بات اكثر غموضاً مما كان عليه في السنوات الماضية .