تخطي إلى المحتوى
تحليل

رياض سلامة في عين العاصفة: من الحراك المدني إلى التدقيق الجنائي!

رياض سلامة في عين العاصفة:  من الحراك المدني إلى التدقيق الجنائي!

يعد ثلاثة عقود، ومن دون قيود، من السلطة والسلطنة والإستفراد بقرارات السلطة النقدية وقع رياض سلامة ضحية ظروف جاءت نتيجة لأدائه خلال كل هذه السنوات. لم يكن يوماً من الأيام ينتظر تقيماً من أحد ولا شهادة حسن سلوك ومُنِح هذا الفائض من الثقة بالنفس من مكونات السلطة السياسية التي حركت جبهات القتال أبان الحرب الأهلية وحكمت وتحكم البلاد والعباد منذ ذلك الحين حتى اليوم؛ كان الصديق الصدوق للفاسد وللفاشل في الحكم حتى وجهت أصابع الإتهام إليه وأبتدأت مكونات السلطة الحاكمة تتخلى عنه الواحدة تلو الأخرى، وبعد أن كان الحاكم الملك أصبح المطلوب الملك للعدالة!

بعد أن تحرك مجموعات الحراك الوطني ومن بعدهم حط القضاء الأوروبي في حياة رياض سلامة ضيفاً غير مرحب به، جاء تقرير التدقيق الجنائي ليصبح الزيت على النار.

إختارت شركة الإستشارات الدولية آلفاريز آند مرسل (A&M) أن تحول التدقيق في حسابات مصرف لبنان إلى تدقيق في أداء رياض سلامة؛ والسبب وراء ذلك هو الفائض من القيود التي وضعها سلامة على تجميع البيانات والمعلومات الضرورية لإجراء التدقيق الجنائي في حسابات المركزي.

لم يتردد المدقق الجنائي إلى ذكر الأسماء وإصدار الإتهامات المبطنة، وخصوصاً بعد أن أثبتت محاضر إجتماعات المجلس المركزي، ولسنوات، بأن المتحدث وصاحب القرار الملك في كل الإجتماعات هو الحاكم والحكم رياض سلامة. حقيقة لبنان لم يكن بحاجة للتدقيق جنائي لمعرفتها.

لم يكن من السهل نشر هذا التقرير الأولي من دون وضع ضوابط واضحة على طريقة إستعماله لأنه "ما بُني على باطل، فهو باطل". الباطل هنا يتمثل في غياب المعلومات الضرورية للوصول إلى إستنتاجات سليمة ولا شك فيها. لهذه الأسباب صنف آلفاريز آند مارسل التقرير بأنه:

- سري جداً للحدّ من إستعماله، أو سوء إستعماله واحتمال أن يكون لذلك من تداعيات سلبية على الشركة المدققة.

-غير ممكن أو غير مسموح إستعماله للإدّعاء ومقاضات أي شخص أو/و مؤسسة تم ذكرها في التقرير. بمعنى آخر، كانت الشركة المدققه بحاجة ماسّة إلى إبراء ذمة من ما قد ينتج عن تقرير غابت ثقتها هي عن محتواه؛ إن لم يكن كله، بالتأكيد عن الجزء الذي يُذكر فيه أسماء أفراد ومؤسسات إستفادوا من تحاويل أجريت بموافقة الحاكم السابق لمصرف لبنان رياض سلامة. والضبابية في هذا الجزء من التقرير هو أنه لايوجد معلومات ومعطيات كافية ووافية لتحديد مصدر هذه الأموال الحقيقي ومن هو المستفيد الحقيقي من هذه التحاويل. ولهذه الأسباب كان من الضروري ذهاب المدقق إلى طلب البراءة . . .

بعد أن كان الدولار ملك الساحة في دردشات المواطنين على وسائل التواصل الإجتماعي، وحديث الصحافة المتخصصة، ومؤشر العافية والهلاك عند رجال الإقتصاد، قرر هذا الدولار الإستقرار والإنسحاب من التداول. والشكر لآلفاريز آند مارسل لإصدار تقرير التدقيق الجنائي، والشكر الأكبر لوزير المالية الذي أفرج عن التقرير لكي يتثنى للمواطنين الإطلاع عليه. و "بشخطة قلم"، إستبدل المواطن اللبناني - كلن يعني كلن والصحافي المتخصص واحد منن - إنشغاله بالدولار إلى الإنخراط في فائض من التحليل لجهة ما تقدم به هذا التقرير.

كنا نأمل أن يكون رجال الدولة ورجال الإختصاص أكثر موضوعية في الوقوف عند هذا التقرير وأخذ العبر! الرئيس ميقاتي ذهب إلى تشكيل لجنة لدراسة إدخال تعديلات ضرورية على قانون النقد والتسليف. لن يتوقف لحظة للتفكير بأن المشكل قد يكون بأداء حاكم المركزي السابق وليس بالقانون. القانون يمنح مصرف لبنان إستقلالية عن التلوث والزبائنية السياسية، ويبقي الحاكم تحت سلطة القانون ويُخضعه للمساءلة والمحاسبة والمحاكمة إذا أساء الأداء. كل دول العالم قامت بإنهاء خدمات حاكم المركزي بسبب سوء الأداء رغم تمتع المركزي بإستقلالية تامة في نص القانون وفي واقع العمل، إلا لبنان قرر البقاء على سلامة. يا دولة الرئيس، رجاءً أطلب من مكونات السلطة الحاكمة كفّ اليد عن مصرف لبنان وترك قانون النقد والتسليف بسلام وأمان. وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين، شركة آلفاريز آند مارسل إعترفت بأن القيود التي وُضِعت على تجميع البيانات والمعلومات تسببت بإصدار تقرير ناقص وضعيف في إستنتاجاته. وفشل مكونات السلطة السياسية، من خلال مفوض الحكومة لدى مصرف لبنان، من ممارسة الرقابة على أداء الحاكم وفريق عمله هو السبب وليس قانون النقد والتسليف.

لم يختلف حماس القاضي غسان عويدات عن حماس الرئيس محمد نجيب ميقاتي رغم أهمية النقاط التي تظهرت في المطالعة التي أجراها. ذهب الرئيس عويدات لإصدار مطالعة للتقرير وعوضاً عن الذهاب إلى معالجة الثغرات الأساسية في التقرير وهي التوجه بالطلب من حاكم مصرف لبنان بالوكالة، الدكتور وسيم منصوري، لتأمين كل المعلومات التي حُجِبت عن الشركة المدققة بطلب وبأمر من رياض سلامة والطلب من الشركة المدققة إتمام عملها كما يحب. عندها يكون التقرير كامل وشامل ودقيق وممكن

البناء عليه للمساءلة والمحاسبة والمحاكمة لكل من ذكر التقرير إسمه. عندها كل ما جاء على ذكره القاضي عويدات في مطالعته في الفقرات ما بعد "وبناء عليه" يصبح ممكن. ويوفر الكثير من الوقت والجهد على الجهاز القضائي في لبنان.

وإليكم ما جاء حرفياً في الجزء الأخير من مطالعة القاضي عويدات إلى النيابة العامة التمييزية في وزارة العدل، وهو بمثابة خريطة طريق إصلاحية وتصحيحية تتظهر حقائقها إذا تم إجراء التدقيق الجنائي في حسابات مصرف لبنان بعد توفر كل المعلومات من دون قيود أو شروط وهذا يكون أفضل من إستنفار القضاء بكل إمكانياته:

اولا : وبما أنه ورد في التقرير التمهيدي المتعلق بالتدقيق الجنائي وصفاً للهندسات المالية التي اعتمدها البنك المركزي وعمليات الإستفادة من تقديمات إما شخصية من الحاكم، وإما من الأموال المودعة كما تضمن التقرير بندأ يتعلق بتوزيع أموال من حساب العمولات التي تم تغذيته من الهندسات المالية وكذلك أموالاً وزعت على مؤسسات عامة وصرفت على مشاريع تتعلق بإدارات الدولة وغيرها فيقتضي إجراء التحقيقات اللازمة في هذه الخصوص لتبيان الحقائق.

ثانياً :وبما أنه ورد في التقرير أن مبلغاً يقدر بحوالي ال ۱۱۱ مليون $ قد تم توزيعه الى أشخاص مختلفين لم يؤت على ذكر اسماءهم فيقتضي تبعاً للملف العالق أمام حضرة قاضي التحقيق الأول في بيروت بالإنابة المتعلق برياض سلامة ورفاقه وشركتي فوري واوبتيموم وغيرها أن يشمل التحقيق هذه الواقعة لتبيان هوية الأشخاص أو المؤسسات الذين استفادوا من هذه التقديمات والأسباب الكامنة وراءها ومدى ارتباطها بشركة فوري وأوبتيموم أو بالحسابات المرتبطة بها وتحديد المعايير المعتمدة.

ثالثاً :وبما أن التقرير أشار إلى استفادة موظفي المصرف المركزي وغيرهم من الجمعيات والأشخاص من تقديمات دون رقابة مسبقة ولا لاحقة. وبما ان التقرير التمهيدي هذا غير النهائي هو غير كاف وغير شامل والتحقيقات الأولية التي سبق لنا واقمناها في دائرتنا تطرق التقرير لبعض منها كما تطرق لبعض ما جاء في التحقيقات الأوروبية وما نفذناه من المساعدات القضائية.

رابعاً : وبما أنه يستشف من تقرير الفاريز & مارسل ان أعضاء المجلس المركزي انصاعوا لأوامر واغراءات وحوافز الحاكم السابق ولم يقوموا بواجباتهم الوظيفية فيقتضي التوسع بالتحقيق معهم توصلاً لوصف أفعالهم.

خامساً : وبما أنه يستشف أيضاً من التقرير التمهيدي أن شركات التدقيق لم تقم بواجباتها لإعطاء صورة حقيقة عن الوضع المالي وبيان حقيقة الأزمة المالية في المصرف المركزي فيقتضي التحقيق مع كل الشركات التي تولت هذه المهمة توصلاً لمعرفة الحقيقة، وبما أنه يستشف من التقرير أن لجنة الرقابة السابقة على المصارف لم تواكب العمليات المجراة اللاحقة على سياسة المخاطر في المصارف المحلية مما ساهم في خسارة أموال المودعين، فيقتضي التحقيق في تصرفاتهم توصلاً لمعرفة الحقيقة.

سادساً : وبما أن التقرير سلط الضوء على وقائع وأفعال مختلفة تدخل ضمن صلاحيات عدة أجهزة قضائية ورقابية وتشريعية ومؤسسات مالية مشيراً إلى تقاعس الأجهزة الرقابية في عملها، . . .

في الختام، لن تكون العبرة إلا في النتائج.

إذا كان هناك ثقة بنتائج التدقيق الجنائي في حسابات مصرف لبنان رغم كل الصعاب التي واجهتها شركة آلفاريز آند مارسل، فيجب:

.محاسبة كل أعضاء المجلس المركزي لمصرف لبنان، وأعضاء الهيئة المصرفية العليا الذين خدموا خلال هذه الحقبة الزمنية للإحتفاظ بوظائفهم ورواتبهم والتخلي عن مسؤولياتهم أمام الشعب وأمام القانون.

. محاسبة شركات التدقيق العالمية المعتمدة من قبل مصرف لبنان وتغريمها وتجميد عملها في لبنان لمدة لا تقل عن الخمس سنوات، وإتهامهم بالتعمد إلى التعتيم على حقيقة أداء المجلس المركزي لمصرف لبنان.

.إعادة هيكلة مصرف لبنان:

. فصل لجنة الرقابة على مصارف وهيئة التحقيق الخاصة عن سلطنة الحاكم وتفعيل عملهما الرقابي،

. وتطوير عمل مديرية تدقيق داخلي داخل مصرف لبنان وإلزامها بتقديم تقارير التدقيق الداخلي السنوي مباشرة إلى القضاء المختص،

.وحصر مدة التعاقد مع شركات التدقيق الخارجي(External Auditors) إلى خمس سنوات متتالية كحد أقصى مع الشركة الواحدة.

.إنشاء مديرية لإدارة المخاطر المالية والتشغيلية داخل مصرف لبنان.

وفي المقلب الآخر، تقرير التدقيق الجنائي تحدث عن أخطاء إرتكبتها السلطة النقدية بتغطية من السلطة السياسية الحاكمة، وحجم الأخطاء يستند على ما توفر من معلومات، وكان هناك إعتراف من قبل الشركة بأن القيود على جمع البيانات كانت كبيرة وشبه تعحيزية.

عندما يكون هناك إختلاس من قبل مكونات السلطة، يبقى السؤال الأهم: هل سوف نشهد مساءلة ومحاكمة للمتهمين، أو تغطية وتعتيم "وعفو عام" كما حصل بعد الحرب الأهلية؟! يعيش لبنان حالة حرب أهلية إقتصادية منذ تشرين 2019 لأن المعتدي والضحية هم من الداخل اللبناني، وهناك خوف جدي من أن المماطلة بإقرار الإصلاحات وتنفيذها من قبل مكونات السلطة الحاكمة (المعتدي) وراءها محاولة لإنتاج عفو عام تنتهي فيها هذه الجولة من الحرب الأهلية بأضرار نفسية ومادية بأغلبيتها.

التقرير أضاء على أن هناك أموال للمودعين إختفت، ولكن لا يساعد محتوى التقرير على إستردادها، ولا يوحد ضمانة لذلك إن لم يكن هناك مساءلة ومحاسبة ومحاكمة وحجز ومصادرة أملاك المرتكبين من القضاء اللبناني المختّص، ونقطة الإنطلاق لن تكون إلا من خلال قضاء يتمتع بالإستقلالية المطلوبه لأداء مهامه

يعد ثلاثة عقود، ومن دون قيود، من السلطة والسلطنة والإستفراد بقرارات السلطة النقدية وقع رياض سلامة ضحية ظروف جاءت نتيجة لأدائه خلال كل هذه السنوات. لم يكن يوماً من الأيام ينتظر تقيماً من أحد ولا شهادة حسن سلوك ومُنِح هذا الفائض من الثقة بالنفس من مكونات السلطة السياسية التي حركت جبهات القتال أبان الحرب الأهلية وحكمت وتحكم البلاد والعباد منذ ذلك الحين حتى اليوم؛ كان الصديق الصدوق للفاسد وللفاشل في الحكم حتى وجهت أصابع الإتهام إليه وأبتدأت مكونات السلطة الحاكمة تتخلى عنه الواحدة تلو الأخرى، وبعد أن كان الحاكم الملك أصبح المطلوب الملك للعدالة!

بعد أن تحرك مجموعات الحراك الوطني ومن بعدهم حط القضاء الأوروبي في حياة رياض سلامة ضيفاً غير مرحب به، جاء تقرير التدقيق الجنائي ليصبح الزيت على النار.

إختارت شركة الإستشارات الدولية آلفاريز آند مرسل (A&M) أن تحول التدقيق في حسابات مصرف لبنان إلى تدقيق في أداء رياض سلامة؛ والسبب وراء ذلك هو الفائض من القيود التي وضعها سلامة على تجميع البيانات والمعلومات الضرورية لإجراء التدقيق الجنائي في حسابات المركزي.

لم يتردد المدقق الجنائي إلى ذكر الأسماء وإصدار الإتهامات المبطنة، وخصوصاً بعد أن أثبتت محاضر إجتماعات المجلس المركزي، ولسنوات، بأن المتحدث وصاحب القرار الملك في كل الإجتماعات هو الحاكم والحكم رياض سلامة. حقيقة لبنان لم يكن بحاجة للتدقيق جنائي لمعرفتها.

لم يكن من السهل نشر هذا التقرير الأولي من دون وضع ضوابط واضحة على طريقة إستعماله لأنه "ما بُني على باطل، فهو باطل". الباطل هنا يتمثل في غياب المعلومات الضرورية للوصول إلى إستنتاجات سليمة ولا شك فيها. لهذه الأسباب صنف آلفاريز آند مارسل التقرير بأنه:

- سري جداً للحدّ من إستعماله، أو سوء إستعماله واحتمال أن يكون لذلك من تداعيات سلبية على الشركة المدققة.

-غير ممكن أو غير مسموح إستعماله للإدّعاء ومقاضات أي شخص أو/و مؤسسة تم ذكرها في التقرير. بمعنى آخر، كانت الشركة المدققه بحاجة ماسّة إلى إبراء ذمة من ما قد ينتج عن تقرير غابت ثقتها هي عن محتواه؛ إن لم يكن كله، بالتأكيد عن الجزء الذي يُذكر فيه أسماء أفراد ومؤسسات إستفادوا من تحاويل أجريت بموافقة الحاكم السابق لمصرف لبنان رياض سلامة. والضبابية في هذا الجزء من التقرير هو أنه لايوجد معلومات ومعطيات كافية ووافية لتحديد مصدر هذه الأموال الحقيقي ومن هو المستفيد الحقيقي من هذه التحاويل. ولهذه الأسباب كان من الضروري ذهاب المدقق إلى طلب البراءة . . .

بعد أن كان الدولار ملك الساحة في دردشات المواطنين على وسائل التواصل الإجتماعي، وحديث الصحافة المتخصصة، ومؤشر العافية والهلاك عند رجال الإقتصاد، قرر هذا الدولار الإستقرار والإنسحاب من التداول. والشكر لآلفاريز آند مارسل لإصدار تقرير التدقيق الجنائي، والشكر الأكبر لوزير المالية الذي أفرج عن التقرير لكي يتثنى للمواطنين الإطلاع عليه. و "بشخطة قلم"، إستبدل المواطن اللبناني - كلن يعني كلن والصحافي المتخصص واحد منن - إنشغاله بالدولار إلى الإنخراط في فائض من التحليل لجهة ما تقدم به هذا التقرير.

كنا نأمل أن يكون رجال الدولة ورجال الإختصاص أكثر موضوعية في الوقوف عند هذا التقرير وأخذ العبر! الرئيس ميقاتي ذهب إلى تشكيل لجنة لدراسة إدخال تعديلات ضرورية على قانون النقد والتسليف. لن يتوقف لحظة للتفكير بأن المشكل قد يكون بأداء حاكم المركزي السابق وليس بالقانون. القانون يمنح مصرف لبنان إستقلالية عن التلوث والزبائنية السياسية، ويبقي الحاكم تحت سلطة القانون ويُخضعه للمساءلة والمحاسبة والمحاكمة إذا أساء الأداء. كل دول العالم قامت بإنهاء خدمات حاكم المركزي بسبب سوء الأداء رغم تمتع المركزي بإستقلالية تامة في نص القانون وفي واقع العمل، إلا لبنان قرر البقاء على سلامة. يا دولة الرئيس، رجاءً أطلب من مكونات السلطة الحاكمة كفّ اليد عن مصرف لبنان وترك قانون النقد والتسليف بسلام وأمان. وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين، شركة آلفاريز آند مارسل إعترفت بأن القيود التي وُضِعت على تجميع البيانات والمعلومات تسببت بإصدار تقرير ناقص وضعيف في إستنتاجاته. وفشل مكونات السلطة السياسية، من خلال مفوض الحكومة لدى مصرف لبنان، من ممارسة الرقابة على أداء الحاكم وفريق عمله هو السبب وليس قانون النقد والتسليف.

لم يختلف حماس القاضي غسان عويدات عن حماس الرئيس محمد نجيب ميقاتي رغم أهمية النقاط التي تظهرت في المطالعة التي أجراها. ذهب الرئيس عويدات لإصدار مطالعة للتقرير وعوضاً عن الذهاب إلى معالجة الثغرات الأساسية في التقرير وهي التوجه بالطلب من حاكم مصرف لبنان بالوكالة، الدكتور وسيم منصوري، لتأمين كل المعلومات التي حُجِبت عن الشركة المدققة بطلب وبأمر من رياض سلامة والطلب من الشركة المدققة إتمام عملها كما يحب. عندها يكون التقرير كامل وشامل ودقيق وممكن

البناء عليه للمساءلة والمحاسبة والمحاكمة لكل من ذكر التقرير إسمه. عندها كل ما جاء على ذكره القاضي عويدات في مطالعته في الفقرات ما بعد "وبناء عليه" يصبح ممكن. ويوفر الكثير من الوقت والجهد على الجهاز القضائي في لبنان.

وإليكم ما جاء حرفياً في الجزء الأخير من مطالعة القاضي عويدات إلى النيابة العامة التمييزية في وزارة العدل، وهو بمثابة خريطة طريق إصلاحية وتصحيحية تتظهر حقائقها إذا تم إجراء التدقيق الجنائي في حسابات مصرف لبنان بعد توفر كل المعلومات من دون قيود أو شروط وهذا يكون أفضل من إستنفار القضاء بكل إمكانياته:

اولا : وبما أنه ورد في التقرير التمهيدي المتعلق بالتدقيق الجنائي وصفاً للهندسات المالية التي اعتمدها البنك المركزي وعمليات الإستفادة من تقديمات إما شخصية من الحاكم، وإما من الأموال المودعة كما تضمن التقرير بندأ يتعلق بتوزيع أموال من حساب العمولات التي تم تغذيته من الهندسات المالية وكذلك أموالاً وزعت على مؤسسات عامة وصرفت على مشاريع تتعلق بإدارات الدولة وغيرها فيقتضي إجراء التحقيقات اللازمة في هذه الخصوص لتبيان الحقائق.

ثانياً :وبما أنه ورد في التقرير أن مبلغاً يقدر بحوالي ال ۱۱۱ مليون $ قد تم توزيعه الى أشخاص مختلفين لم يؤت على ذكر اسماءهم فيقتضي تبعاً للملف العالق أمام حضرة قاضي التحقيق الأول في بيروت بالإنابة المتعلق برياض سلامة ورفاقه وشركتي فوري واوبتيموم وغيرها أن يشمل التحقيق هذه الواقعة لتبيان هوية الأشخاص أو المؤسسات الذين استفادوا من هذه التقديمات والأسباب الكامنة وراءها ومدى ارتباطها بشركة فوري وأوبتيموم أو بالحسابات المرتبطة بها وتحديد المعايير المعتمدة.

ثالثاً :وبما أن التقرير أشار إلى استفادة موظفي المصرف المركزي وغيرهم من الجمعيات والأشخاص من تقديمات دون رقابة مسبقة ولا لاحقة. وبما ان التقرير التمهيدي هذا غير النهائي هو غير كاف وغير شامل والتحقيقات الأولية التي سبق لنا واقمناها في دائرتنا تطرق التقرير لبعض منها كما تطرق لبعض ما جاء في التحقيقات الأوروبية وما نفذناه من المساعدات القضائية.

رابعاً : وبما أنه يستشف من تقرير الفاريز & مارسل ان أعضاء المجلس المركزي انصاعوا لأوامر واغراءات وحوافز الحاكم السابق ولم يقوموا بواجباتهم الوظيفية فيقتضي التوسع بالتحقيق معهم توصلاً لوصف أفعالهم.

خامساً : وبما أنه يستشف أيضاً من التقرير التمهيدي أن شركات التدقيق لم تقم بواجباتها لإعطاء صورة حقيقة عن الوضع المالي وبيان حقيقة الأزمة المالية في المصرف المركزي فيقتضي التحقيق مع كل الشركات التي تولت هذه المهمة توصلاً لمعرفة الحقيقة، وبما أنه يستشف من التقرير أن لجنة الرقابة السابقة على المصارف لم تواكب العمليات المجراة اللاحقة على سياسة المخاطر في المصارف المحلية مما ساهم في خسارة أموال المودعين، فيقتضي التحقيق في تصرفاتهم توصلاً لمعرفة الحقيقة.

سادساً : وبما أن التقرير سلط الضوء على وقائع وأفعال مختلفة تدخل ضمن صلاحيات عدة أجهزة قضائية ورقابية وتشريعية ومؤسسات مالية مشيراً إلى تقاعس الأجهزة الرقابية في عملها، . . .

في الختام، لن تكون العبرة إلا في النتائج.

إذا كان هناك ثقة بنتائج التدقيق الجنائي في حسابات مصرف لبنان رغم كل الصعاب التي واجهتها شركة آلفاريز آند مارسل، فيجب:

.محاسبة كل أعضاء المجلس المركزي لمصرف لبنان، وأعضاء الهيئة المصرفية العليا الذين خدموا خلال هذه الحقبة الزمنية للإحتفاظ بوظائفهم ورواتبهم والتخلي عن مسؤولياتهم أمام الشعب وأمام القانون.

. محاسبة شركات التدقيق العالمية المعتمدة من قبل مصرف لبنان وتغريمها وتجميد عملها في لبنان لمدة لا تقل عن الخمس سنوات، وإتهامهم بالتعمد إلى التعتيم على حقيقة أداء المجلس المركزي لمصرف لبنان.

.إعادة هيكلة مصرف لبنان:

. فصل لجنة الرقابة على مصارف وهيئة التحقيق الخاصة عن سلطنة الحاكم وتفعيل عملهما الرقابي،

. وتطوير عمل مديرية تدقيق داخلي داخل مصرف لبنان وإلزامها بتقديم تقارير التدقيق الداخلي السنوي مباشرة إلى القضاء المختص،

.وحصر مدة التعاقد مع شركات التدقيق الخارجي(External Auditors) إلى خمس سنوات متتالية كحد أقصى مع الشركة الواحدة.

.إنشاء مديرية لإدارة المخاطر المالية والتشغيلية داخل مصرف لبنان.

وفي المقلب الآخر، تقرير التدقيق الجنائي تحدث عن أخطاء إرتكبتها السلطة النقدية بتغطية من السلطة السياسية الحاكمة، وحجم الأخطاء يستند على ما توفر من معلومات، وكان هناك إعتراف من قبل الشركة بأن القيود على جمع البيانات كانت كبيرة وشبه تعحيزية.

عندما يكون هناك إختلاس من قبل مكونات السلطة، يبقى السؤال الأهم: هل سوف نشهد مساءلة ومحاكمة للمتهمين، أو تغطية وتعتيم "وعفو عام" كما حصل بعد الحرب الأهلية؟! يعيش لبنان حالة حرب أهلية إقتصادية منذ تشرين 2019 لأن المعتدي والضحية هم من الداخل اللبناني، وهناك خوف جدي من أن المماطلة بإقرار الإصلاحات وتنفيذها من قبل مكونات السلطة الحاكمة (المعتدي) وراءها محاولة لإنتاج عفو عام تنتهي فيها هذه الجولة من الحرب الأهلية بأضرار نفسية ومادية بأغلبيتها.

التقرير أضاء على أن هناك أموال للمودعين إختفت، ولكن لا يساعد محتوى التقرير على إستردادها، ولا يوحد ضمانة لذلك إن لم يكن هناك مساءلة ومحاسبة ومحاكمة وحجز ومصادرة أملاك المرتكبين من القضاء اللبناني المختّص، ونقطة الإنطلاق لن تكون إلا من خلال قضاء يتمتع بالإستقلالية المطلوبه لأداء مهامه