تخطي إلى المحتوى
تحليل

الزيارة السورية إلى لبنان: من "الوصاية" إلى شراكة الندّين؟

الزيارة السورية إلى لبنان:  من "الوصاية" إلى شراكة الندّين؟

زيارة استثنائية بتوقيت استثنائي. في 2 تموز 2026، أجرى وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني جولة لقاءات شملت الرئيس جوزاف عون، ورئيس مجلس النواب نبيه بري، ورئيس الحكومة نواف سلام، إضافة إلى شخصيات حزبية ودينية من كل الطوائف. كانت هذه الزيارة الثانية للشيباني، لكنها اتسمت بطابع استثنائي نظراً لاتساع الجولة التي شملت الرؤساء الثلاثة والأقطاب السياسيين وبكركي ودار الفتوى، على أن خُصصت طرابلس بمحطة لافتة في ختامها. واللافت أن التوقيت تزامن مع مرحلة انتظار حساسة بين توقيع الاتفاق الإطاري اللبناني الإسرائيلي والشروع في تنفيذه، ما جعل الزيارة السورية "تخترق" أولويات هذا الملف وتضع نفسها في قلب المشهد اللبناني.

>> لماذا طرابلس تحديداً؟ رمزية الثقل السني. اختيار طرابلس محطة ختامية للجولة لم يكن عرضياً. جاءت الزيارة من محطتها الأخيرة في دار الفتوى بطرابلس، بعد لقاءات مع جنبلاط وجعجع والجميل ودريان. هذه الخريطة الواسعة للقاءات تعكس حرص دمشق على التواصل مع مختلف مؤسسات الدولة اللبنانية والقوى السياسية والمرجعيات الدينية، في إطار مساعٍ لإعادة بناء العلاقات على أسس جديدة.

الدلالة السياسية أعمق من مجرد بروتوكول ديبلوماسي: اختيار طرابلس ودار الفتوى تحديداً كمحطة رئيسية يحمل دلالة سياسية بالغة، إذ تسعى الدبلوماسية السورية الجديدة لإرساء توازن مفقود منذ عقود عبر مد الجسور مباشرة مع الحاضنة السنية ومناطق الشمال التي كانت الأكثر عداءً وتضرراً من سياسات النظام السابق. بعبارة أخرى: طرابلس، التي عانت من تهميش أمني واقتصادي مضاعف في عهد الوصاية السورية، تحوّلت إلى نقطة انطلاق لإعادة بناء الثقة مع البيئة السنية اللبنانية تحديداً، وهذا عكس تام لمنطق الحقبة السابقة التي كانت تتعامل مع الشمال كبؤرة اشتباه لا كشريك.

الاستقبال الشعبي عزز هذه الرمزية: استقبلت طرابلس الشيباني بتجمعات شعبية، واجتمع بمفتي طرابلس والشمال وفعاليات المدينة، شاكراً أهلها على وفائهم للثورة السورية. احتشد المواطنون حاملين الأعلام السورية واللبنانية مرددين هتافات الترحيب وهو مشهد ما كان يمكن تخيّله في عهد النظام السابق.

>> الإنجاز الملموس: اللجنة العليا المشتركة. أبرز مخرجات الزيارة لم يكن رمزياً فقط بل مؤسسياً: تم توقيع اتفاقية إنشاء اللجنة العليا السورية اللبنانية المشتركة، لتكون إطاراً مؤسسياً دائماً يعزز التعاون في المجالات السياسية والاقتصادية والأمنية والثقافية والاجتماعية، إضافة إلى قطاعات النقل والطاقة والمياه والصحة والاتصالات. هذا يمثل انتقالاً من علاقة تُدار بالتفاهمات الأمنية غير المعلنة (كما كان الحال أيام الوصاية) إلى بنية مؤسسية معلنة وقابلة للمساءلة، ولو نسبياً.

كذلك أكد وزير الإعلام اللبناني بول مرقص أن الاتفاقية الموقعة تنص على احترام سيادة كل من البلدين، وأن الحكومة اللبنانية ستعيد النظر في جميع الاتفاقيات المبرمة مع النظام السوري السابق؛ وهذه نقطة مفصلية: إعادة النظر في إرث اتفاقيات الوصاية (على غرار اتفاقية الأخوة والتعاون والتنسيق لعام 1991) هي الاختبار العملي الحقيقي لمدى جدية التحول نحو علاقة الندّين.

>> الخطاب: قطيعة معلنة مع "الوصاية". الخطاب السوري الرسمي حرص على نفي أي نية للتدخل: الخارجية السورية أكدت أن الشيباني بحث مع الرئيس عون سبل تعزيز العلاقات على أساس الاحترام المتبادل وحسن الجوار، كما كرر أمام عون موقف الرئيس السوري برفض التدخل العسكري في لبنان. من جانبه، أكد الرئيس عون أن لبنان لن يفرط بأي شبر من أرضه، وأن زيارة الشيباني تزيل مخاوف بعض اللبنانيين من نية الشرع بالتدخل في لبنان.

اللافت أن عون ذهب أبعد من ذلك في تأطير القرار اللبناني نفسه: اعتبر أن القرار السيادي بفصل المسار اللبناني عن المسار الإيراني الأميركي هو مشكلة من اعتاد أن يكون لبنان تحت وصاية تتحكم به وتقرر عنه في إشارة مبطنة إلى حقبتي الوصاية السورية والنفوذ الإيراني معاً، وكأن الخطاب الرسمي اللبناني يضع الزيارة السورية الجديدة في سياق "نهاية عصر الوصايات" لا استبدال وصاية بأخرى.

>> علامات الحذر: ليست قطيعة كاملة بعد. لكن الصورة ليست خالية من التحفظات: جنبلاط والتحذير من "17 أيار" جديد: دعا جنبلاط بعد لقائه الشيباني إلى فتح علاقات متوازنة مع سوريا، لكنه شدد على أنه لا يؤيد أي اتفاق يكون بمثابة "17 أيار" جديد في إشارة إلى اتفاق 1983 الذي اعتُبر آنذاك تفريطاً بالسيادة. هذا التحذير من شخصية عرفت عن قرب أعباء الوصاية السابقة يعكس أن الثقة لم تُبنَ بالكامل بعد، وأن أي اتفاقيات مستقبلية (خصوصاً الأمنية) ستخضع لفحص دقيق من الطبقة السياسية التي عايشت الحقبة السابقة.

انتقادات لانتقائية اللقاءات: برزت تساؤلات حول سبب اقتصار بعض اللقاءات على مؤيدي "الاتفاق الإسرائيلي" وتراجع الشيباني عن لقاء سعد الحريري ما يشير إلى أن دمشق الجديدة، رغم خطابها الشامل، لا تزال تجري حسابات دقيقة حول من تلتقي ومتى، بما قد يوحي ببقايا من منطق المحاور القديم.

الجدل الشعبي حول الهتافات: تحليل صحيفة "الصحراء" يلاحظ أن بعض الهتافات التي رافقت استقبال الشيباني في طرابلس أثارت انتقادات واسعة عند شريحة من اللبنانيين وعند سياسيين وإعلاميين غير مصنّفين حزبياً ما يعني أن الحفاوة الشعبية في الشمال لم تكن إجماعية، وأن جزءاً من الرأي العام يخشى تكرار سيناريوهات الاصطفاف الطائفي/الإقليمي القديمة ولو بأشكال جديدة.

>> عامل ترامب: من أكثر النقاط إثارة للقلق ما تكشفه "الصحراء": التصريحات الأخيرة للرئيس الأميركي ترامب حول طلبه من الرئيس السوري أحمد الشرع التدخل في لبنان للمساهمة في نزع سلاح حزب الله، وهو ما نفى الشرع الرغبة فيه. هذا يعني أن الضغط الخارجي (الأميركي تحديداً) قد يدفع سوريا نحو دور تدخلي لم تطلبه هي بنفسه، وأن "القرار السوري" بعدم التدخل قد يصطدم بضغوط لا تملك دمشق وحدها القدرة على مقاومتها إلى ما لا نهاية.

>> التوقعات: نحو علاقة دولتين، لكن بشروط. استناداً إلى ما تقدّم، يمكن رسم ثلاثة مسارات محتملة للعلاقة:

1. المسار الأكثر ترجيحاً على المدى القريب (12-18 شهراً): استمرار بناء المؤسسات الثنائية (اللجنة العليا) كإطار تقني-اقتصادي بالدرجة الأولى خصوصاً في ملف الربط الكهربائي بين البلدين الذي أثاره سلام مباشرة مع تجنب الملفات الأمنية الحساسة (السلاح، الحدود المشتركة) التي تبقى رهينة لمسار أبطأ وأكثر حذراً، بانتظار نضوج الثقة المتبادلة واستقرار الوضع الداخلي في سوريا نفسها.

2. المسار المشروط بالضغط الأميركي: إذا تصاعد الضغط الأميركي-الإسرائيلي على الشرع لدفعه نحو دور فاعل في نزع سلاح حزب الله، فإن العلاقة قد تنزلق مجدداً نحو نمط "الوصاية بالوكالة" ليس بمبادرة سورية ذاتية بل استجابة لضغط خارجي، ما سيضع الشرع أمام معضلة حقيقية بين الحفاظ على خطاب عدم التدخل وبين الانصياع لحليف أميركي لا يمكنه رفضه كلياً.

3. المؤشر الحاسم: الاختبار العملي الحقيقي لتحول العلاقة من وصاية إلى شراكة لن يكون في الخطاب بل في: (أ) مصير الاتفاقيات الموروثة عن حقبة الأسد التي وعد مرقص بإعادة النظر فيها، (ب) ترسيم الحدود المشتركة (ملف عالق منذ عقود ولم تتطرق إليه الزيارة بشكل معلن)، و(ج) مدى استمرار سوريا في رفض الانخراط العسكري داخل الأراضي اللبنانية رغم الضغوط — وهو ما أظهرت التجربة الأخيرة مؤشراً إيجابياً عليه: خلال الحرب الأميركية الإسرائيلية الإيرانية الأخيرة، كان بإمكان دمشق استغلال الفرصة ودخول لبنان لضرب حزب الله أو نزع سلاحه، لكن هذا لم يحدث، بل عززت سوريا وجود قواتها على الحدود لمنع امتداد تداعيات الحرب إلى الداخل السوري.

هذا السلوك الفعلي، أكثر من أي تصريح، هو المؤشر الأكثر دلالة على أن دمشق الجديدة، حتى الآن، تفضّل ضبط النفس على تكرار نمط التدخل القديم. لكن يبقى السؤال المفتوح: هل يصمد هذا الانضباط أمام ضغط حليف بحجم واشنطن إذا تصاعدت المطالب؟ هذا هو الاختبار الحقيقي لما إذا كانت هذه فعلاً "علاقة دولتين" أم "وصاية مؤجلة" بانتظار الظرف المناسب.