يعيش لبنان منذ سنوات أزمة مركّبة تشمل الجوانب السياسية والاقتصادية والاجتماعية والإدارية، وقد أدت هذه الأزمات المتراكمة إلى تراجع الثقة بالمؤسسات العامة، وتزايد مظاهر الفساد، وضعف القدرة على التخطيط واتخاذ القرارات التي تستجيب لحاجات المواطنين. وفي ظل هذه الظروف، تبدو الحاجة ملحّة إلى إعادة النظر في نموذج الحكم اللبناني، بما يراعي خصوصية المجتمع اللبناني وتعدديته، وفي الوقت نفسه يؤسس لدولة حديثة قادرة على حماية حقوق المواطنين وتحقيق التنمية والاستقرار.
يمكن الاستفادة من بعض الرؤى السياسية والأخلاقية التي قدمها التراث الإسلامي في التفكير في علاقة الدولة بالمواطن، وفي مسؤولية السلطة العامة، وفي أهمية العدالة والكفاءة. ومن أبرز النصوص التي يمكن الاسترشاد بها في هذا المجال رسالة الإمام علي بن أبي طالب (ع) إلى مالك الأشتر، من دون اعتبارها نموذجاً سياسياً جاهزاً يمكن نقله حرفياً إلى الدولة الحديثة. فالقيمة الأساسية لهذه الرؤية تكمن في المبادئ العامة التي يمكن تطويرها بما يتناسب مع الواقع اللبناني المعاصر.
أولاً: بناء دولة تتقدم فيها المصلحة العامة
يحتاج لبنان إلى تعزيز مفهوم الدولة باعتبارها الإطار الذي يجمع جميع المواطنين، بصرف النظر عن انتماءاتهم الطائفية أو السياسية أو المناطقية. فالتعددية اللبنانية تمثل جزءاً أساسياً من هوية المجتمع، لكنها تصبح مشكلة عندما تتحول إلى وسيلة لتعطيل المؤسسات أو توزيع المناصب والموارد على أساس الولاءات. لذلك، فإن الإصلاح لا يعني إلغاء الخصوصيات اللبنانية، بل إيجاد توازن بين التعددية من جهة، ووحدة المؤسسات والمواطنة المتساوية من جهة أخرى. ويقتضي ذلك أن تكون المصلحة الوطنية هي الأساس في وضع السياسات العامة، وأن يشعر المواطن بأن الدولة تعمل لخدمته، لا لخدمة مجموعة سياسية أو طائفية محددة.
ثانياً: الكفاءة أساس الإدارة العامة
لا يمكن بناء دولة قوية من دون إدارة عامة فعّالة. فالمؤسسات تحتاج إلى أشخاص يمتلكون الخبرة والقدرة على تحمل المسؤولية، بعيداً عن المحسوبيات والولاءات السياسية.
ومن هنا، يجب تطوير نظام واضح للتوظيف والتعيين والترقية في القطاع العام، يقوم على الكفاءة والخبرة والنزاهة، مع اعتماد آليات شفافة للمساءلة وتقييم الأداء. كما ينبغي حماية الموظف الكفوء من التدخلات السياسية، وإعطاء الأولوية لأصحاب الاختصاص في إدارة القطاعات الحيوية.
إن إصلاح الإدارة ليس مسألة تقنية فقط، بل هو مدخل أساسي لإصلاح الدولة بأكملها، لأن أي خطة اقتصادية أو اجتماعية ستبقى محدودة النتائج إذا كانت المؤسسات المنفذة لها ضعيفة أو خاضعة للمحاصصة.
ثالثاً: العدالة الاجتماعية شرط للاستقرار
لا يمكن تحقيق الاستقرار السياسي في مجتمع يعاني فيه المواطنون من تفاوت كبير في مستوى المعيشة، ومن ضعف الخدمات الأساسية، ومن محدودية فرص العمل والتعليم والرعاية الاجتماعية. لذلك، يحتاج لبنان إلى نموذج اقتصادي أكثر إنتاجية وعدالة، يركز على خلق فرص العمل، ودعم القطاعات المنتجة، وتحسين التعليم والصحة والخدمات العامة، مع توفير شبكة حماية اجتماعية للفئات الأكثر حاجة. فالعدالة الاجتماعية لا تعني فقط تقديم المساعدات، بل تعني أيضاً توفير فرص متكافئة أمام المواطنين، بحيث لا يصبح الموقع الاجتماعي أو الانتماء السياسي عاملاً حاسماً في الحصول على العمل أو الخدمات أو الفرص الاقتصادية.
رابعاً: مكافحة الفساد واستعادة الثقة
يشكل الفساد أحد أبرز العوائق أمام بناء دولة فعّالة، لأنه يؤدي إلى هدر الموارد ويضعف المؤسسات ويزيد شعور المواطن بعدم المساواة. كما أن استمرار الفساد يساهم في تكريس عدم الثقة بين المجتمع والدولة. لذلك، فإن مكافحة الفساد يجب أن تكون جزءاً من إصلاح مؤسساتي شامل، وليس مجرد حملة ضد بعض الأشخاص. ويتطلب ذلك تعزيز استقلال القضاء، وتفعيل أجهزة الرقابة، وفرض الشفافية في الإنفاق العام والتعيينات والصفقات الحكومية، وضمان تطبيق القانون على الجميع من دون استثناء.
خامساً: الانتقال من إدارة الأزمات إلى التخطيط للمستقبل
من المشكلات الأساسية التي يعاني منها لبنان اعتماد السياسة العامة على معالجة الأزمات بعد وقوعها، بدلاً من وضع خطط طويلة الأمد تمنع تكرارها.
ويحتاج لبنان إلى رؤية وطنية واضحة تحدد أولويات الدولة خلال السنوات المقبلة، وتضع أهدافاً قابلة للقياس في مجالات الاقتصاد والطاقة والتعليم والصحة والبنية التحتية والإدارة العامة.
الخلاصة: دولة المؤسسات لا دولة الأشخاص
إن معالجة الأزمة اللبنانية لا تتطلب استيراد نموذج حكم جاهز، كما لا تتطلب تجاهل خصوصية المجتمع اللبناني. المطلوب هو تطوير نموذج لبناني حديث يجمع بين التعددية السياسية والاجتماعية وبين قوة المؤسسات، ويجعل العدالة والكفاءة والمساءلة والمصلحة العامة ركائز أساسية للحكم.
وفي النهاية، فإن مستقبل لبنان يرتبط بقدرته على الانتقال من حكم الأشخاص إلى حكم المؤسسات، ومن المحاصصة إلى الكفاءة، ومن إدارة الأزمات إلى التخطيط، ومن المصالح الضيقة إلى المصلحة الوطنية. وهذا التحول هو الأساس لبناء دولة تستعيد ثقة مواطنيها وتوفر لهم العدالة والاستقرار وفرص التنمية.