تخطي إلى المحتوى
تحليل

العقود آلاجلة للنفط عند اعلى مستوياتها في 40 يوما بعد التطورات الجيوسياسية

العقود آلاجلة للنفط عند اعلى مستوياتها في 40 يوما بعد التطورات الجيوسياسية

تواصل العقود الآجلة للنفط الخام الارتفاع لليوم الثاني على التوالي، وذلك بأكثر من 4 في المئة لكل من خامي غرب تكساس الوسيط وبرنت، ليتداولا أعلى من مستويي 87 و94 دولاراً للبرميل على التوالي.

عودة الارتفاع لأسعار النفط تأتي وسط تبدد الافتراض الرئيس الذي كان يساهم على نحو جوهري في إبقاء الأسعار منخفضة، وهو أن الحرب لا يمكن أن تطول كثيراً. بينما حاولت الأسواق مطولاً، ومراراً وتكراراً، التمسك بذلك الافتراض، إلا أننا نرى اليوم العديد من العلامات التي تنقضه.

بعد 11 يوماً من الضربات المتتالية على إيران، لا توجد إشارة تدل على أننا على الطريق إلى العودة للتفاوض. تتجه الولايات المتحدة إلى تكثيف الضربات على إيران في مسعى لدفعها إلى التنازل عن فرض هيمنتها على مضيق هرمز. في حين لا تبدو القيادة في إيران متحمسة إطلاقاً لتقديم تنازل في هذا الصدد، وفق ما قاله مسؤولون لبلومبرغ. علاوة على ذلك، فإن مقتل عدد من الجنود الأميركيين نتيجة الضربات الإيرانية يمثل تجاوزاً لأهم الخطوط الحمراء لدى الولايات المتحدة، بما يجعل العودة السريعة إلى التفاوض، وإن كانت وفق الشروط الأميركية، أمراً غير ممكن من دون تحقيق انتقام عسكري واسع. كما أن الهجمات الصاروخية تلك، خصوصاً على قاعدة موفق السلطي في الأردن، تسلط الضوء على قدرات إيران من الصواريخ والطائرات المسيّرة، وذلك على الرغم من الضربات الموسعة التي شُنت حتى الآن، وهذا ما تحدثت عنه وول ستريت جورنال.

ليس هذا فحسب، إذ يبدو أن استياء دول الخليج من الهجمات الإيرانية المستمرة ضدها جعلها أكثر ميلاً لتفضيل التصعيد، حيث تحدثت مصادر مطلعة لبلومبرغ بأن بعض المسؤولين يعتقدون أنه يجب على واشنطن تصعيد العمل العسكري ضد إيران، وحتى نشر جنود على الأرض للسيطرة على جزيرة خارك النفطية.

إضافة إلى كل هذا، الحصار البحري الذي أعلن عنه الحوثيون في اليمن ضد المملكة العربية السعودية سيساهم في إعاقة مزيد من التدفقات النفطية من الإقليم، التي كانت تساهم في تنفيس بعض من النقص الحاد في المعروض. هذا ما يعيدنا بالذاكرة إلى عام 2019، عندما تمكن الحوثيون من قطع نصف إنتاج المملكة في يوم واحد، عند استهداف منشآت تابعة لأرامكو.

إطالة أمد هذه الحرب تنطوي على مخاطر تعميق الضرر اللاحق بالإمدادات النفطية المتدفقة من الإقليم، ليس فقط عبر إعاقة حركة الناقلات، بل قد تنطوي أيضاً على مخاطر العودة لاستهداف البنية التحتية المسؤولة عن استخراج وتصدير الخام والغاز الطبيعي، سواء في إيران أو في دول الخليج. هذا الضرر سيكون هيكلياً وقد لا يمكن إصلاحه خلال سنوات، مبقياً على النقص المزمن في المعروض لفترة مطولة. هذا حدث بالفعل في السابق في عدة مناسبات، وهو ليس خيالاً.

ليس هذا فحسب، فالحرب من شأنها أن تكشف عن مدى هشاشة سوق الطاقة العالمي. إذ تحدث مقال تحليلي في Foreign Policy عن أن سوق النفط أكثر هشاشة مما يتخيله ترامب، الذي تعلّم درساً خاطئاً نتيجة عدم وصول أسعار الخام إلى تلك القمم التي كان يحذر منها المحللون. حيث ذكر علي أحمدي، الزميل التنفيذي في مركز جنيف للسياسة الأمنية، في مقاله بالمجلة، أن الاستقرار النسبي للأسعار خلال النصف الأول من هذا العام يعود إلى المخزونات الاحتياطية التي تمت مراكمتها عبر عقود، وفوائض الإنتاج، إضافة إلى التسامح من المستهلكين، وأضاف أن هذه العوامل قد تبددت إلى حد جوهري الأن. كما يرى أحمدي أن جولة التصعيد الحالية وعودة إغلاق مضيقي هرمز وباب المندب تهددان برفع الأسعار بوتيرة أسرع من الجولات السابقة. كما يستعرض أحمدي وجهة نظر خبراء تسلط الضوء على المخاوف بشأن إمكانية تحمل البنية التحتية للضغط الناتج عن الوتيرة السريعة للسحب من المخزونات الاستراتيجية في الولايات المتحدة. كما يستعين بالتحذيرات التي أطلقها جي بي مورجان حول إمكانية وصول المخزونات العالمية من النفط الخام إلى حدود دنيا حرجة للغاية في سبتمبر، مع استهلاك قرابة ثلث المخزونات نهاية أبريل الفائت، والتي كانت تبلغ فقط قرابة 800 مليون برميل قبل الحرب، وهو ما يمثل ما كان يمكن استخدامه من أصل 8.4 مليار برميل من المخزونات الكلية. أخيراً، يرى أحمدي أن ترامب يجازف بالتكلفة السياسية لارتفاع أسعار الجازولين، التي قد تؤثر مباشرة في نتائج انتخابات التجديد النصفي، وهذا ما يمثل تهديداً لأهم الفرضيات التي يتمسك بها المتداولون للمراهنة على عودة هبوط الأسعار.

الأختم بالقول إن الرهان على أن الحرب لا يمكن أن تطول هو رهان خاسر، وذلك ما لم نرَ اتفاقاً شاملاً وراسخاً وبكلمات مفصلة بما يتعلق بإدارة مضيق هرمز أولاً والاتفاق النووي ثانياً. من دون هذا الاتفاق، فإن مخاطر التصعيد وخروج الصراع عن السيطرة لا تزال قائمة، وتهدد باتساع الضرر الهيكلي والمزمن في الإمدادات العالمية. قد نشهد إعلاناً مفاجئاً من ترامب حول العودة إلى المفاوضات، وهذا ما قد يتبعه انخفاض لأسعار النفط، لكنني أعتقد أن هذا سيكون مؤقتاً ما لم نرَ اتفاقاً بالمواصفات التي تحدثنا عنها.