في أروقة لجنة المال والموازنة، تدور مفاوضات دقيقة حول 36 مادة تشكّل مشروع "قانون إصلاح أوضاع المصارف". أربعة أطراف تتقاسم طاولة النقاش: الحكومة، مصرف لبنان، صندوق النقد الدولي، ولجنة المال والموازنة كممثل تشريعي. طرف خامس، هو صاحب الحق الفعلي في هذا الملف بأكمله، لا مقعد له عند الطاولة: المودع.
ما الذي يُتداول فعلياً
القانون، في جوهره، يمنح جهات رقابية صلاحيات واسعة: تدقيق ميزانيات المصارف عبر خبراء مستقلين، وتفويض لجنة الرقابة على المصارف برفع توصيات بناءً على نتائج هذا التدقيق. وعلى أساس هذه التوصيات، تملك الهيئة المصرفية العليا خيارات فاصلة بحق أي مصرف: التصفية، إعادة الرسملة الإلزامية، فرض إدارة مؤقتة، أو الملاحقة القضائية للإدارات السابقة عند ثبوت مخالفات احتيالية.
هذه ليست تفاصيل تقنية بلا أثر. كل خيار من هذه الخيارات يحدد بشكل مباشر مصير الودائع المحتجزة داخل كل مصرف على حدة. ومع ذلك، فإن النقاش الدائر حول هذه المواد الـ36 لم يتمحور، حتى الآن، حول أثرها على المودع، بل حول توزيع الصلاحيات بين الجهات الرقابية نفسها.
نزاع الصلاحيات: من يملك حق "التعميم"؟
المادتان 3 و13 استغرقتا أشهراً من النقاش، لا لأنهما تمسّان حقوق المودعين مباشرة، بل لأنهما تحددان من يملك سلطة التعميم داخل الجهاز المصرفي. مصرف لبنان تمسّك بأن صلاحية إصدار التعاميم الناظمة لإعادة الهيكلة تعود حصراً لمجلسه المركزي، ورفض أي صيغة تمنح الهيئة المصرفية العليا حق "طلب" إصدار تعميم، معتبراً أن ذلك يخلق ازدواجية في القرار الرقابي ويمسّ بأحكام قانون النقد والتسليف.
التسوية التي بلغتها لجنة المال قضت بأن تحتفظ الهيئة المصرفية العليا بكامل صلاحياتها المتعلقة بإصلاح المصارف، لكن دون أن تتحول إلى مجلس مركزي مواز؛ فهي "توصي"، ولا "تُعمّم". صيغة توفيقية، مصمَّمة لإرضاء طرفين مؤسّساتيين — لا لتحديد ما إذا كان المودع سيستعيد ماله، ومتى، وبأي آلية.
صندوق النقد: الحكم الغائب عن الغرفة، الحاضر في كل بند
لا يجلس صندوق النقد الدولي في قاعة لجنة المال، لكنه موجود في كل فقرة. القانون يشكّل ركيزة أساسية لأي اتفاق تمويل مرتقب، وقد أرسل الصندوق ملاحظات مكتوبة مباشرة إلى اللجنة الفرعية النيابية. وبحسب مصادر مطّلعة، وافق الصندوق على جزء من التعديلات المتفَق عليها بين وزارة المالية ومصرف لبنان، لكنه أبقى تحفظات على أجزاء أخرى، وحذف عبارات اعتبرها مصرف لبنان ضرورية لصون صلاحياته.
النتيجة: تفاهم محلي بين الحكومة والمصرف المركزي لا يُترجَم بالضرورة كاملاً في النسخة العائدة من واشنطن. فالمعيار الفاصل لبعض بنود القانون لم يعد التوازن الداخلي بين المؤسسات اللبنانية وحده، بل مدى توافقه مع شروط خارجية لا يشارك المودع في صياغتها ولا في التفاوض عليها.
الحلقة المفقودة: قانون استرداد الودائع
هنا تكمن المفارقة الجوهرية. فقانون إصلاح المصارف، مهما بلغت درجة نضجه التشريعي، يبقى بلا قيمة تنفيذية للمودع طالما أن "قانون استرداد الودائع"، أو ما يُعرف بمعالجة الفجوة المالية، لم يُقرّ بعد. وهذا القانون الأخير، بحسب تصريحات رئيس لجنة المال، لا يزال قيد التعديل داخل لجنة حكومية متخصصة، دون جدول زمني ملزم.
بعبارة أخرى: يُستكمَل بناء الهيكل الرقابي (من يملك سلطة القرار، ومن يُصدر التعميم، ومن يراقب من) قبل أن يُحسم السؤال الأهم: كم سيسترد المودع من أمواله، وعلى أي مدى زمني، ووفق أي توزيع للخسائر بين الدولة والمصرف المركزي والمصارف التجارية والمودع نفسه؟ هذا التسلسل ليس تفصيلاً إجرائياً؛ فترتيب الأولويات التشريعية يقرر عملياً من يتحمل كلفة الانهيار، حتى قبل أن تُطرح المسألة للنقاش العلني.
غياب ممنهج، لا عرضي
المودع اللبناني ليس غائباً عن هذا الملف لأن أحداً تجاهله عمداً في جلسة بعينها؛ هو غائب لأن بنية التفاوض نفسها لا تتضمن مقعداً له. لا نقابة مودعين ذات صفة تفاوضية رسمية، ولا آلية استشارة ملزمة، ولا حتى التزام بنشر مسودات التعديلات فور إحالتها إلى اللجنة. ما يصل إلى الرأي العام هو خلاصات لاحقة، بعد أن تكون موازين القوى قد استقرت بين الأطراف المؤسّساتية الأربعة.
هذا الغياب له كلفة مضاعفة: فحين يُحسم لاحقاً توزيع الخسائر، لن يكون المودع قد شارك في صياغة المعايير التي ستُطبَّق عليه، ولا في تحديد أولويات التنفيذ التي أجّلت النظر في قضيته إلى حين اكتمال البنية الرقابية أولاً.
القانون قيد التداول اليوم هو، من حيث الجوهر، إعادة توزيع للسلطة بين الحاكم المركزي والحكومة والهيئات الرقابية، بإشراف غير مباشر من صندوق النقد. أما القانون الذي يحدد مصير أموال المودعين فعلياً، قانون استرداد الودائع، فلا يزال في طور التشكّل، خارج ضوء الجلسات العلنية، وبلا جدول زمني معلَن. وإلى أن يُقرّ هذا القانون الأخير، ويُشرَك فيه صاحب الحق مباشرة أو عبر من يمثله فعلياً، سيبقى النقاش الدائر في أروقة السلطة التشريعية نقاشاً حول من يدير الأزمة، لا حول من يدفع كلفتها ومتى يستعيد حقه.