إذا كان تعديل قانون إصلاح المصارف يتجه نحو التناغم مع قانون النقد والتسليف بنسخته الحالية، وبما أنّ هذا القانون الأخير قد جُرِّب فعلياً بعد الحرب الأهلية في معالجة ما يزيد على عشرين مصرفاً معالجةً ناجحة، فلماذا لا نتوقف عن التشريع ضمن هذا الإطار الجديد، ونتّجه بدلاً من ذلك إلى الاعتماد على قانون النقد والتسليف نفسه لإصلاح المصارف؟
هذا السؤال ينطوي على فرضيتين يستحقان: الأول أن التجربة التاريخية لقانون النقد والتسليف كافية بذاتها اليوم؛ والثاني أن غياب إصلاح الدولة والمال العام هو تقصير تشريعي بسيط يمكن تصحيحه بقرار إرادة. كلاهما يحتاج تدقيقاً.
لماذا لا يكفي قانون النقد والتسليف وحده؟
الحالات العشرون، تقريباً، التي عولجت بعد الحرب الأهلية كانت حالات فردية ومعزولة: مصرف متعثر بعينه، تُعالج أوضاعه إدارياً من خلال الهيئة المصرفية العليا ولجنة الرقابة على المصارف وكلتاهما أُنشئتا أصلاً بموجب القانون رقم 28/67 كأدوات تنفيذية ضمن منظومة قانون النقد والتسليف نفسه. في تلك الحالات، كان مصرف لبنان هو الحكم السليم الذي يعالج مريضاً واحداً وسط جهاز مصرفي سليم إجمالاً.
اما الأزمة الحالية مختلفة في طبيعتها لا في حجمها فقط؛ إنها أزمة نظامية تطال القطاع المصرفي بأكمله، بل تطال ميزانية مصرف لبنان نفسه، الذي لم يعد الحكم بل طرفاً في عملية إعادة التوزيع ذاتها. حين يكون المدين المتعثر هو الجهاز الرقابي نفسه، لا يعود ممكناً الاعتماد حصراً على أدوات صُمّمت لمعالجة استثناء داخل نظام سليم؛ فأنت أمام إعادة هيكلة تطال طرفاً هو، بحكم القانون، القيّم على تطبيق ذلك القانون.
هذه ليست فرضية نظرية فقط. تقرير المساعدة الفنية الذي قدّمه صندوق النقد الدولي حول الإطار القانوني والمؤسساتي لمصرف لبنان خلص إلى أن قانون النقد والتسليف، بصيغته الحالية، لا ينص بشكل واضح وكافٍ على وظيفة تدقيق داخلي مستقلة، ولا يحدد بدقة آليات المحاسبة، الإفصاح المالي، والرقابة الخارجية. بعبارة أخرى: القانون الذي أثبت كفاءته في معالجة حالات فردية، يفتقر إلى الأدوات المؤسساتية اللازمة لمعالجة أزمة تطال حوكمة المصرف المركزي ذاته، وهذا بالضبط ما يحاول "قانون إصلاح المصارف" سدّه: ليس بديلاً عن قانون النقد والتسليف، بل طبقة تكميلية تُلزَم صراحةً بالخضوع لأحكامه (المادة 3 تنص على "الالتزام بقانون النقد والتسليف")، لكنها تضيف آليات تدقيق وتوصية ومساءلة لم يكن الأخير مصمَّماً لتوفيرها في سياق أزمة بهذا الحجم.
فالمعادلة إذاً ليست قانون جديد بدل القديم، بل قانون جديد فوق القديم وهذا تحديداً ما يفسر لماذا استغرق التفاوض حول المادتين 3 و13 هذا الوقت الطويل: الطرفان يتفقان على المبدأ (الالتزام بقانون النقد والتسليف)، ويختلفان على من يملك حق التفعيل العملي لهذا الالتزام.
ولماذا لا يتحرك مجلس النواب نحو إصلاح الدولة والمال العام؟
هنا الصورة أقل ارتياحاً. المطالب الدولية، بما فيها تقارير صندوق النقد نفسها، لا تقتصر على القطاع المصرفي. أحد التقارير الأخيرة للصندوق شدّد على أن الفساد المنهجي هو ما يعطل التعافي، وأن الأولوية يجب أن تشمل بناء قضاء مستقل ونزيه، وتفعيل أجهزة الرقابة، وإصلاح حوكمة مصرف لبنان؛ أي أن إصلاح المصارف لم يكن، من منظور الصندوق نفسه، سوى بند واحد ضمن حزمة أوسع.
لكن ما تحقق فعلياً حتى الآن يقتصر إلى حد بعيد على تعديل قانون السرية المصرفية وقانون إصلاح المصارف، بينما بقيت بنود أخرى، وأبرزها قانون الكابيتال كونترول، عالقة لسنوات. وهنا شهادة دالة من رئيس لجنة المال نفسه: أنه تقدّم باقتراح لقانون الكابيتال كونترول منذ سنوات، وأُقرّ في لجنة المال، لكنه لم يُقرّ في الهيئة العامة لمجلس النواب إلى أن خرج نحو 20 مليار دولار من أموال المودعين إلى الخارج في غياب أي إطار قانوني يقيّد ذلك.
هذا النمط يكشف آلية أعمق من مجرد تقصير؛ القوانين التي تمس مباشرة ميزان القوى بين المودع من جهة، وأصحاب النفوذ القادرين على تحريك أموالهم بحرية من جهة أخرى، تتقدم ببطء أكبر من القوانين التي تعيد توزيع الصلاحيات بين مؤسسات الدولة نفسها (كما في قانون إصلاح المصارف). فالأول يمسّ مصالح فاعلين محددين وقادرين على التأثير في مسار التشريع؛ والثاني، رغم حساسيته، يبقى صراعاً بين مؤسسات رسمية أكثر منه صراعاً على من يتحمل كلفة مباشرة وفورية.
بمعنى آخر: تسلسل الأولويات التشريعية ليس عشوائياً، وليس بالضرورة إرادياً بحتاً أيضاً؛ هو انعكاس لموازين قوى فعلية داخل المنظومة السياسية، حيث تتقدم الإصلاحات التي لا تصطدم مباشرة بمصالح راسخة، وتتأخر تلك التي تصطدم بها بصرف النظر عن مدى إلحاح المجتمع الدولي أو الرأي العام اللبناني على الاثنين معاً.