كلما اشتعل النقاش حول غلاء الأسعار في لبنان، ينقسم الرأي العام بين معسكرين: من يحمّل المسؤولية للاستيراد وارتفاع كلفة الطاقة والمخاطر الجيوسياسية في المنطقة، ومن يرى أن المشكلة محلية بامتياز، متجذرة في غياب الرقابة وتفشي الاحتكار. الحقيقة أن هذا السؤال بصيغته الثنائية سؤال خاطئ من الأساس. فالضغوطات التضخمية في لبنان اليوم ليست نتاج سبب واحد يُقصي الآخر، بل نتاج التقاء سببين يتغذى كل منهما على الآخر: صدمة خارجية مستوردة، وفراغ رقابي داخلي يتيح لهذه الصدمة أن تتضخم وتُستثمر.
١. البعد المستورد: اقتصاد لا يملك زمام أسعاره.
لبنان اقتصاد استهلاكي بامتياز، يستورد الجزء الأكبر من سلعه الاستهلاكية والصناعية ومواده الأولية. هذا يعني أن أي اضطراب في سلاسل الإمداد العالمية، أو أي ارتفاع في أسعار الطاقة، أو أي تصعيد جيوسياسي في المنطقة، ينتقل مباشرة إلى فاتورة المستهلك اللبناني دون وسيط يمتص الصدمة. كلفة الشحن والتأمين، سعر صرف الدولار في المعاملات التجارية، وأسعار المحروقات العالمية، كلها متغيرات لا يتحكم بها لا التاجر ولا المستهلك اللبناني، بل تُملى من الخارج. في اقتصاد يستورد كهرباءه على شكل مازوت للمولدات الخاصة، وغذاءه على شكل حاويات، وصناعته على شكل مواد أولية، تصبح الجغرافيا السياسية للمنطقة عاملاً تضخمياً مباشراً لا هامشياً.
٢. البعد المحلي: حين يتحول الفراغ الرقابي إلى فرصة.
لكن الاعتماد على الاستيراد لا يفسّر وحده لماذا ترتفع أسعار السلع الأساسية بأكثر من 21% في ستة أشهر، بمعدل يفوق بكثير أي تبرير موضوعي مرتبط بكلفة الشحن أو الطاقة. هنا يدخل البعد الثاني: غياب شبه تام لفاعلية الرقابة الميدانية بسبب الوضع الأمني. حين تنسحب مديرية حماية المستهلك من الشارع، يتحول كل ارتفاع خارجي مبرر إلى ذريعة لارتفاع داخلي غير مبرر. التاجر الذي يواجه كلفة استيراد أعلى بنسبة معينة، يجد نفسه في بيئة خالية من أي رادع، فيرفع هامش ربحه أضعاف ما تبرره الكلفة الفعلية. وهنا يتحول الاحتكار وتكتلات الأسواق من ظاهرة هامشية إلى بنية دائمة، لأن غياب الرقابة لا يعاقب فقط، بل يكافئ من يستغل الأزمة.
بعبارة أخرى: الصدمة الخارجية تفتح الباب، والفراغ الرقابي الداخلي يوسّعه إلى ما لا نهاية.
٣. ازدواجية الفواتير: حيث يلتقي السببان في جيب المواطن.
لا مكان يتجسد فيه هذا الالتقاء بين السببين أكثر من ازدواجية الفواتير التي يعيشها كل بيت لبناني: فاتورة كهرباء رسمية لا تغطي إلا جزءاً من الحاجة، وفاتورة مولد خاص تُسعَّر وفق منطق شبه احتكاري بلا لوائح معلنة ولا هوامش ربح مضبوطة. هنا الكلفة الأساسية للمازوت مستوردة فعلاً ومرتبطة بأسعار الطاقة العالمية، لكن التسعير النهائي الذي يدفعه المواطن يخضع لسلطة تقديرية شبه مطلقة لغياب أي جهة تراقب هامش الربح أو تفرض شفافية التسعير. الرواتب التي فقدت قيمتها الشرائية أصلاً تصطدم بهذه الازدواجية فتتحول كلفة المعيشة إلى ما يشبه الاستنزاف اليومي المقونن، لا الأزمة العابرة.
٤. لماذا يهم التمييز بين السببين.
قد يبدو النقاش حول أيهما السبب الحقيقي أكاديمياً، لكنه في الواقع يحدد شكل الحل. إذا اعتُبر الغلاء ناتجاً عن الاستيراد والجغرافيا السياسية حصراً، يصبح الحل الوحيد المتاح هو الانتظار: انتظار استقرار المنطقة، انتظار انخفاض أسعار الطاقة عالمياً، وهو انتظار خارج عن إرادة أي حكومة لبنانية. أما إذا أُقر بأن جزءاً كبيراً من الغلاء الحالي يعود إلى غياب الرقابة وتفلت الهوامش، فإن الحل يصبح متاحاً محلياً وفورياً، ولا يحتاج إلى تغيّر الظروف الإقليمية بل إلى إرادة تنفيذية وقانونية بحتة.
هذا بالضبط ما يجعل التقاعس عن الرقابة مضاعفاً في خطورته: فهو لا يكتفي بالسماح للصدمة الخارجية بالمرور، بل يحرم المجتمع من الجزء الوحيد من الأزمة الذي كان بإمكان الدولة أن تعالجه دون انتظار أحد.
٥. المطلوب فوراً لإنقاذ الأمن الاجتماعي.
انتهى وقت التنظير، والوقت ينفد بينما الناس تختنق تحت وطأة غلاء لم يعد مجرد تداعيات أزمة نقدية، بل استنزافاً يومياً مقوننًا تتركه السلطة يتفاقم دون رادع. الأسواق تُترك اليوم تحت رحمة الاحتكار وجشع بعض التجار، وتسعيرة الخدمات والسياحة تتفلت من دون أي ضابط فعلي، بينما الرواتب تتآكل قيمتها شهراً بعد شهر.
حماية المستهلك ليست ترفاً إدارياً، بل مسؤولية قانونية وأخلاقية تجاه مواطنين يستحقون دولة تحميهم لا أن تتركهم فريسة للفوضى وللسوق الموازية. والمطلوب هنا ثلاثة إجراءات لا تحتمل التأجيل:
- تفعيل الرقابة الميدانية الصارمة واليومية؛ لا رقابة موسمية أو مناسباتية.
- فرض إعلان لوائح الأسعار بوضوح وضبط هوامش الربح.
- كسر الكارتيلات وتفعيل المحاسبة القضائية الفورية للمخالفين.
أين تتموضع المناقبية في المعادلة: المناقبية المهنية هي خط الدفاع الأول نظرياً. قبل أي رقيب وأي قانون، هي الرادع الداخلي الذي يمنع التاجر من استغلال الفجوة بين كلفته الفعلية والسعر الذي يستطيع فرضه. في اقتصاد يعمل فيه القانون والرقابة، تكون المناقبية "طبقة إضافية" من الحماية. لكن في بيئة ينعدم فيها الرادع المؤسساتي بالكامل، تتحول المناقبية من طبقة إضافية إلى خط الدفاع الوحيد المتبقي وهذا بالضبط موطن الإشكال.
لماذا لا يمكن التعويل عليها وحدها: المناقبية فضيلة فردية، لا بنية جماعية. أي سوق يضم تجاراً ملتزمين وآخرين انتهازيين، وفي غياب الرقابة، يجد التاجر الملتزم نفسه أمام خيار قاسٍ: إما أن يرفع أسعاره كمنافسيه ليبقى في السوق، أو يلتزم بهامش ربح معقول ويخسر حصته لصالح من لا يلتزم. هذا ما يُعرف اقتصادياً بـ"race to the bottom" الأخلاقي حيث تُعاقَب الفضيلة الفردية إذا لم تُسندها قاعدة جماعية ملزمة. بمعنى آخر: مناقبية تاجر واحد لا تصمد أمام غياب مناقبية السوق ككل، لأن السوق لا يكافئ الأفضل أخلاقياً، بل يكافئ الأكثر قدرة على البقاء تجارياً.