تخطي إلى المحتوى
تحليل

لبنان واقتراحات صندوق النقد الدولي

لبنان واقتراحات صندوق النقد الدولي

مؤخراً كثر الحديث عن ما يقترحة صندوق النقد الدولي لجهة تعيين مدير مؤقت على رأس المصرف الخاضع لإعادة الهيكلة مع صلاحيات مطلقة في مرحلة إعادة الهيكلة

هل الأزمة المصرفية والمالية الذي يعاني منها لبنان هي أزمة سيولة، ملاءة او حوكمة ومناقبية مهنية، وولدت من رحم أداء سياسي فاشل؟

.. ويبقى الشيطان في تفاصيل آلية التنفيذ.

الفكرة التي يطرحها صندوق النقد الدولي بسيطة في ظاهرها: قبل إعادة هيكلة أي مصرف، يخرج مجلس إدارته الحالي، ويدخل مكانه مدير مؤقت بصلاحيات مطلقة، مهمته حماية الموجودات من أي تلاعب، وضمان وصول المدققين إلى كل ما يحتاجونه من دون عراقيل. إدارة قديمة متورطة تخرج، وإدارة جديدة ونظيفة تدخل. لكن السؤال الذي يغيب دائماً عن هذا النوع من الشروط هو: من يعيّن هذا المدير؟ وفي لبنان، الجواب على هذا السؤال هو كل المشكلة.

- نفس الطبقة، نفس القرار

الجهة التي ستتولى تسمية هؤلاء المديرين هي إما مصرف لبنان، وإما الهيئة المصرفية العليا التي لا تزال صلاحياتها وتركيبتها موضوع شد وجذب داخل مجلس النواب، تحديداً لأن كتلاً سياسية متعددة تريد أن يكون لها موطئ قدم فيها. هذا ليس تفصيلاً هامشياً، هذا هو جوهر المشكلة كلها.

لعقود، كانت المصارف والمصرف المركزي والطبقة السياسية أضلاع مثلث واحد: المصارف موّلت عجز الدولة بفوائد مغرية وفي المقابل عملت بحدّ أدنى من الرقابة، والطبقة السياسية حمت أصحاب المصارف لأن كثيرين منهم هم أنفسهم نواب أو وزراء أو مقرّبون من هؤلاء، ومصرف لبنان كان الآلية التي أبقت هذا الترتيب "سائلاً" طالما أمكن ذلك عبر هندسات مالية متتالية. هذا المثلث هو من أنتج الانهيار عام 2019، وهو نفسه الذي لا يزال يتحكم اليوم بمن يُعيَّن في أي هيئة، ومن يُقصى عنها، ومتى تُقَرّ القوانين ومتى تُجمَّد.

سجل هذه الطبقة في التعامل مع كل ملف مصرفي منذ الانهيار يعطينا صورة واضحة عمّا يُنتظر. قانون رفع السرية المصرفية مرّ بتأخير سنوات وبتعديلات أفرغت بعض بنوده من مضمونها. التدقيق الجنائي في مصرف لبنان توقف مرة لأن الشركة المكلفة لم تحصل على المعلومات المطلوبة، وحين استؤنف، جاء بنطاق محدود بمعايير لم يُفصح عنها بوضوح. قانون إعادة هيكلة المصارف نفسه أُقرّ بعد نقاش طويل تركّز في جزء كبير منه على صلاحيات الهيئة المصرفية العليا ومن سيرأسها، لا على كيفية حماية المودع. هذا ليس سوء حظ متكرر، هذا نمط. وأي آلية جديدة تُبنى فوق هذا النمط، من دون أن تغيّر يد من يمسك بمقود التعيين، سترث نفس النمط تلقائياً.

- كيف يبدو هذا على أرض الواقع

لسنا بحاجة لافتراض سوء نية لنتوقع كيف سيسير الأمر. القرب وحده كافٍ لإنتاج نفس النتيجة.

> حوض صغير جداً. مجتمع المدققين والمستشارين ومختصي إعادة الهيكلة المعتمدين في لبنان محدود، ومعظم الأسماء البارزة فيه عملت في وقت من الأوقات لصالح المصارف أو مصرف لبنان، أو بالتعاون معهما، أو ضمن لجان شكّلتها السلطة نفسها. أي اختيار لمديرين مؤقتين من دون فرز صريح لتضارب المصالح، سيسحب أسماءه غالباً من هذا الحوض بالذات.

> كفاءة من دون إرادة. يمكن أن يكون المدير المؤقت كفوءاً تقنياً جداً، ومع ذلك يتردد في كشف ما يُفترض بتدقيق صارم أن يكشفه، خوفاً مهنياً عادياً من أن يصبح غير مرغوب فيه في سوق بهذا الصغر. هذه نفس الديناميكية التي أفرغت وظيفة التدقيق الداخلي والخارجي من مضمونها لسنوات قبل الانهيار.

> المماطلة كأداة تعطيل. حتى لو حسنت النية، يمكن تحييد أي تعيين بالتأخير (ترشيحات مثيرة للجدل، اعتراضات إجرائية، مزيد من الدرس) فتضيع وظيفة الحماية بالضبط في اللحظة التي تحتاجها، أي قبل أن تُهرَّب موجودات أو تتلف سجلات.

> ما الذي كان يجب أن يتوفر، ولن يتوفر على الأرجح

لو أرادت الطبقة السياسية فعلاً أن تنجح هذه الآلية، كانت ستفصل صراحة بين من يعيّن ومن يخضع للتحقيق، وتشترط إفصاحاً علنياً عن علاقة كل مرشح السابقة بالمصارف وبمصرف لبنان قبل التعيين لا بعده، وتفرض ولايات قصيرة مع تناوب إلزامي كي لا يتحوّل القرب إلى تواطؤ صامت، وتربط تقارير المدير المؤقت بهيئة تسوية مستقلة فعلياً عن جهة التعيين. هذا بالضبط جوهر المعركة القائمة أصلاً حول قانون إعادة هيكلة المصارف: هل تمرّ السلطة النهائية عبر هيئة يرأسها حاكم مصرف لبنان، أم عبر هيئة مستقلة عنه؟ والإجابة حتى الآن لم تخرج عن نطاق المصالح ذاتها.

ما يشترطه (أو يعتمده) صندوق النقد الدولي في إطار معالجة الأزمات المصرفية، ليس علاجاً، هو اختبار جدّية لطبقة سياسية لم تنجح يوماً في هذا الاختبار. إن كان المديرون الذين سيُعيَّنون مستقاة أسماؤهم من نفس الحوض، ومختارين من قبل نفس الجهات، ويرفعون تقاريرهم عبر نفس سلسلة القرار التي سمحت بحدوث الأزمة، فكل ما سينتج هو محاضر وأوراق، لا مساءلة. السؤال الذي يجب طرحه عند كل تعيين مقبل ليس "هل هذا الشخص كفوء؟"، بل: كفوء بمعيار مين، ومختار من قبل مين، ومحاسَب أمام مين؟ الطبقة السياسية في لبنان تجيب على هذا السؤال بنفس الطريقة منذ ثلاثين عاماً، ولا شيء حتى الآن يشير إلى أنها ستجيب بطريقة مختلفة هذه المرة.