تخطي إلى المحتوى
تحليل

إذا توفرت النصوص، هل النفوس جاهزة للعودة لإيداع مدخراتها في المصارف

إذا توفرت النصوص، هل النفوس جاهزة    للعودة لإيداع مدخراتها في المصارف

حتى لو نجحنا في تطبيق مواد وأحكام القانون ٢٣، عودة الإنتظام الى العمل المصرفي تتطلب أكثر من ذلك - لا يوجد أي كلام او ذكر لمشكلة إنعدام الثقة بين مكونات المجتمع اللبناني والمصارف التجارية وضرورة العمل على ترميم هذه الثقة كشرط أساسي؛ وهي بنقطة الضعف البنيوية في كل هذا المسار التشريعي. القانون 23 نص قانوني-مؤسسي محض: يحدد من يقرر، وبأي آلية، وضمن أي حدود صلاحية. لكن الانتظام المصرفي بمعناه الحقيقي، أي عودة الناس لإيداع أموالهم، وعودة المصارف لدورها الوسيط بين الادخار والاستثمار، هو ظاهرة سلوكية جماعية، لا نتيجة آلية لنص قانوني مهما كان متكاملاً.

الثقة لا تُبنى بقانون. الثقة المصرفية انهارت في 2019 ليس فقط بسبب غياب إطار قانوني لحل المصارف المتعثرة، بل بسبب تجربة مباشرة عاشها المجتمع اللبناني: احتجاز الودائع فعلياً، "هيركات" غير معلن عبر سعر الصرف، تعاميم مصرف لبنان (151، 158 في بدايته، وغيرها) التي تعاملت مع أموال الناس كأنها قابلة لإعادة التفاوض من طرف واحد. هذه ليست مشكلة غياب آلية قانونية لحل مصرف متعثر بل مشكلة "سلوك مؤسسي فعلي أضرّ بالمودع دون محاسبة أو اعتذار أو تعويض واضح. قانون يعالج الشكل الأول (آلية الحل) لا يلامس الثاني إطلاقاً.

الفجوة تحديداً في القانون 23. لاحظ أن كل النقاش التشريعي الذي مررنا به، المادتان 3 و13، صلاحيات الهيئة المصرفية العليا مقابل الحاكم، تعريف المودع الواحد، كله نقاش بين مكوّنات السلطة نفسها (الحكومة، مصرف لبنان، صندوق النقد، النواب). المودع، بصفته الطرف المتضرر الفعلي وصاحب رأس المال المفقود، غائب تماماً عن هذا الحوار؛ وهذا يؤكد الفرضية في "المودع الغائب عن أروقة التشريع". لا يوجد في نص القانون آلية تواصل، أو إفصاح دوري، أو حتى اعتراف مؤسسي بالضرر الذي لحق بالمودعين كخطوة أولى نحو ترميم العلاقة.

ما الذي يعنيه هذا عملياً لأي انتظام مرتقب. حتى لو أُقرّ قانون الفجوة غداً وحُدد بدقة من يتحمل الخسارة وبأي نسبة، فإن عودة الناس لوضع أموالهم في المصارف التجارية مجدداً، وهي الاختبار الحقيقي للانتظام، ستبقى رهينة عامل غير مكتوب في أي نص: هل يثق اللبناني بأن ما حصل لن يتكرر؟ وهذا سؤال لا يُطمأن إليه بمادة قانونية، بل بسلسلة إشارات فعلية: شفافية في الميزانيات، محاسبة فعلية (لا رمزية) لمن تسبب بالانهيار، آلية تعويض أو اعتراف بالضرر، واستقرار نقدي مستدام لفترة كافية لإعادة بناء "الذاكرة الإيجابية" التي دُمّرت.

هذه فعلاً فجوة تستحق أن تكون محوراً منفصلاً، حتى لو اكتملت القوانين بأفضل صورة تقنية، لا تتضمن أي نظرية تغيير لكيفية ترميم الثقة المجتمعية بالقطاع المصرفي، وكأن الافتراض الضمني هو أن سلامة الإطار القانوني تكفي وحدها لإعادة تدفق الودائع، وهو افتراض تفنّده كل تجارب إعادة الهيكلة المصرفية بعد أزمات الثقة العميقة (اليونان، قبرص، الأرجنتين).