يراهن رئيس مجلس «الاحتياطي الفيدرالي» الأميركي كيفين وارش على أن تتولى سوق السندات دوراً أكبر في تحديد تكلفة الأموال، في تحول واضح عن نهج التوجيه المكثف الذي اعتادته الأسواق خلال السنوات الماضية. وبعد سبعة أسابيع من أول اجتماع للسياسة النقدية يترأسه وارش، بدأت هذه الاستراتيجية تضع الأسواق أمام اختبار حقيقي، يعيد طرح سؤال قديم: إلى أي حد يمكن للبنك المركزي أن يقلص إشاراته وتوجيهاته من دون أن يربك الأسواق؟ وكيف سيتعامل المستثمرون مع البيانات الاقتصادية والتطورات الجديدة في ظل غياب الرؤية المسبقة التي اعتادوا عليها بشأن مسار السياسة النقدية؟
وسيأتي الاختبار الأحدث لهذه المسألة يوم الجمعة مع صدور تقرير الوظائف لشهر تموز، وهو مؤشر رئيسي على أداء اقتصاد يعتقد كثير من المستثمرين أنه يعمل بالفعل فوق طاقته.
وأصبح الثمن الذي ترتب على تحول وارش في سياسة التواصل مع الأسواق واضحاً بصورة لا لبس فيها خلال مؤتمره الصحافي عقب أحدث اجتماع للسياسة النقدية لـ«الفيدرالي» الأسبوع الماضي. وكان من المتوقع الإبقاء على أسعار الفائدة دون تغيير؛ إذ كانت أسواق العقود الآجلة تسعّر احتمالاً لا يتجاوز واحداً من ثلاثة لرفع الفائدة. لكن ما أثار قلق المستثمرين كان غياب أي إشارة واضحة إلى الخطوة التالية.
وسرعان ما ارتفعت عوائد سندات الخزانة الأميركية طويلة الأجل، إذ صعد عائد السندات لأجل 30 عاماً إلى أعلى مستوى له منذ عام 2007، بينما لامس عائد السندات لأجل 10 سنوات مستوى لم يسجله منذ كانون الثاني 2025.
أصبح التوجيه المستقبلي، أي الإشارات التي يرسلها «الفيدرالي» بشأن المسار المحتمل لأسعار الفائدة، أداة معتادة بعد عام 2008، عندما وصلت أسعار الفائدة إلى الصفر، واستخدم صانعو السياسة النقدية الوعود المتعلقة بالسياسة المستقبلية لخفض تكاليف الاقتراض طويلة الأجل.
وركزت الأسواق اهتمامها على «مخطط النقاط» الخاص بـ«الفيدرالي»، وهو توقعات صانعي السياسة بشأن أسعار الفائدة، والتي غالباً ما تخطئ في تقديرها مع قيام البيانات المتغيرة بإعادة تشكيل التوقعات الاقتصادية.
ويرى وارش أن «الفيدرالي» ليس أفضل من الأسواق في التنبؤ بالمستقبل، ولذلك ينبغي أن تستند قراراته إلى ما حدث بالفعل، وليس إلى ما قد يحدث مستقبلاً، مستشهداً في هذا السياق بتوصيف التضخم بأنه «مؤقت» بعد جائحة «كورونا».
إلا أن هذه الاستراتيجية تواجه صعوبة أكبر في ظل استمرار ارتفاع التضخم. ويشير لو إلى أن وارش كان قد طرح فكرة التراجع خطوة إلى الوراء وترك السوق تبحث عن توازنها بنفسها عندما يكون «الفيدرالي» قريباً من تحقيق أهدافه، وذلك في وقت كان فيه التضخم أقل من 3 في المائة ويتراجع. أما الآن، فقد اقترب التضخم من 4 في المائة، وهو ما يرى لو أنه مصدر جانب كبير من الانتقادات الموجهة إلى نهج وارش.
وفي الوقت الحالي، لم يحل نهج وارش مشكلة دائرية أساسية، بحسب كامبل. فوارش يريد أن تتحدد أسعار الفائدة بدرجة أكبر بفعل الأسواق والبيانات، بدلاً من لجنة السياسة النقدية، في حين تحاول السوق في الوقت نفسه استنتاج آلية استجابته.
وفي المقابل، ترك وارش الباب مفتوحاً أمام إمكانية التخلي عن هذا النهج. وكما يشير لو: «ليس بالضرورة أن يكونوا ملتزمين بعدم استخدامه مجدداً على الإطلاق».