تخطي إلى المحتوى
تحليل

كيف تحوّلت الوديعة في المصارف اللبنانية إلى خمس أدوات مالية مختلفة دون قانون.

كيف تحوّلت الوديعة في المصارف اللبنانية  إلى خمس أدوات مالية مختلفة دون قانون.

إلى المودع الذي يقرأ هذه الكلمات: إذا شعرت يوماً أن "الدولار" في حسابك المصرفي ليس فعلياً الدولار نفسه الذي كنت تودعه قبل ٢٠١٩، فأنت محق. وإلى صانع القرار الذي يقرأ كلماتي هنا: إذا كنت تبحث عن السبب الجذري الذي يجعل أي تسوية مصرفية مقترحة تصطدم بجدار من التعقيد القانوني والغضب الشعبي معاً، فالسبب موجود هنا، في خمسة تعاميم صدرت تباعاً منذ نيسان ٢٠٢٠، دون أن يمر أي منها أمام مجلس النواب.

هذه ليست قصة تعميم واحد. إنها قصة سلسلة من التعاميم، كل واحد منها وُلد كترقيع اضطراري لأضرار التعميم الذي سبقه، وانتهى بها المطاف، مجتمعة، إلى تفكيك "الوديعة" كمفهوم قانوني واحد، وإعادة تركيبها في خمس أدوات مالية مختلفة القيمة، بلا سند تشريعي.

كيف بدأت السلسلة:

أصدر مصرف لبنان التعميم الأساسي رقم ١٥٠. من الناحية العملية، جمّد هذا التعميم الودائع القديمة بالعملات الأجنبية، إذ اشترط أن تبقى الأرصدة مطابقة لأرصدة فعلية لدى المصارف المراسلة في الخارج. بما أن معظم المصارف اللبنانية لم تعد تملك هذه التغطية الفعلية، تحوّلت الودائع "القديمة" عملياً إلى أداة مجمّدة، عصية على السحب.

الترقيع الأول:

التعميم ١٥١ و"اللَّيررة". لم يمرّ أسبوعان حتى اضطر مصرف لبنان لإصدار التعميم ١٥١ في أواخر نيسان ٢٠٢٠، سامحاً بسحب الودائع بالعملة الأجنبية عبر تحويلها إلى الليرة اللبنانية بسعر صرف وسقف للسحوبات محددان، أي بحسم (haircut) فعلي على القيمة الحقيقية للوديعة. لكن الانهيار السريع لليرة اللبنانية أكل هذا الحسم بسرعة، وحوّل "الحل" إلى مصدر ألم إضافي: من سحب وديعته بالليرة وفق تعميم ١٥١ خسر قيمتها الفعلية خلال أسابيع بفعل التضخم.

الترقيع الثاني:

بحلول حزيران ٢٠٢١، أصدر مصرف لبنان التعميم الأساسي ١٥٨، سامحاً بالوصول إلى الحسابات المفتوحة قبل تشرين الأول ٢٠١٩ بالعملة الأجنبية. بدأ السحب بالتساوي بين الليرة والدولار، ثم تحوّل تدريجياً إلى الدولار بالكامل. سقوف السحب تغيّرت من ٤٠٠ دولار إلى ١٠٠٠ دولار، على أن يُصرف ٨٠٠ دولار منها نقداً فقط، بينما يُفرض إنفاق الباقي عبر نقاط البيع (POS).

هذا القيد الأخير أنتج ظاهرة لافتة: سوقاً موازية غير رسمية، حيث توافق بعض المحال التجارية على "شحن" المبلغ عبر نقطة البيع، مقابل إعادة جزء منه نقداً بعد اقتطاع عمولة ٥٪ تقريباً، أي أن ٢٠٠ دولار "١٥٨" تتحول فعلياً إلى ١٩٠ دولاراً نقدياً فقط. هذه ليست تفصيلاً هامشياً: إنها السوق نفسها تقيّم دولار ١٥٨ بأقل من الدولار الحقيقي، تماماً كما كانت الأسواق المالية العالمية تسعّر شرائح السندات المهيكلة المتعثرة (MBS tranch) بخصم عن قيمتها الاسمية إبّان أزمة ٢٠٠٨.

الترقيعان الأخيران:

التعميم ١٦٥ عدّل آلية التعميم ١٥٠، فأنشأ حسابات معاملات جديدة بالليرة "فريش" والعملة الأجنبية "فريش"، يمكن عليها إصدار بطاقات وشيكات موسومة بـ"فريش"، تُقاصّ لدى مصرف لبنان مباشرة، دون اشتراط مطابقتها بأرصدة لدى مصارف مراسلة كما في ١٥٠. لكن هذا الحل خدم الأموال "الجديدة" الداخلة إلى النظام، لا الودائع المحتجزة أصلاً تحت مظلة ١٥٠.

أما التعميم ١٦٦، فجاء ليحل محل آلية "اللَّيررة" في التعميم ١٥١، لكنه فرض شروط أهلية صارمة على من يحق له الاستفادة منه مع منع صريح للجمع بين الاستفادة من ١٥٨ و١٦٦ في آن واحد، ومنع السحب من أكثر من مصرف واحد لمن يملك حسابات متعددة. بمعنى آخر: حتى "المخرج" الأخير محكوم بقواعد تُقرر من يخرج، ومتى، وبأي شرط.

من خمسة تعاميم إلى خمس أدوات مالية: التشريح الضمني للودائع.

هذه ليست خمسة إجراءات تنظيمية متتالية بل عملية تشريح ضمني للودائع (Implicit Deposit Tranching): تفكيك الوديعة الواحدة، عبر التراكم التنظيمي، إلى شرائح متعددة، لكل منها قيمة فعلية وشروط أهلية وسيولة مختلفة تماماً كما تُقسَّم الأصول المالية المعقدة (كالسندات المدعومة برهون عقارية) إلى شرائح، لكن بفارق جوهري: تلك التقسيمات تتم بعقود واضحة ومُفصح عنها مسبقاً، أما هنا فتمّت بأثر رجعي، عبر تعاميم متتالية، دون تفويض تشريعي، ودون أن يوافق المودع على "الشريحة" التي أصبح ينتمي إليها.

الدولار الذي أودعته قبل ٢٠١٩ ليس هو نفسه دولار ١٥٠ المجمّد، ولا دولار ١٥١ "الملَيرر"، ولا دولار ١٥٨ الذي يُخصم ٥٪ منه في الشارع، ولا دولار ١٦٥ "الفريش" المُعفى من قيود المطابقة، ولا حتى مؤهل تلقائياً للاستفادة من ١٦٦. خمس أدوات، خمس قيم فعلية مختلفة، من وديعة واحدة.

القضاء يلتقي بالتحليل: حكم القاضية سانيا نصر.

في ٢٦ آذار ٢٠٢٦،

أصدرت محكمة الاستئناف المدنية في بيروت، برئاسة القاضية سانيا نصر، حكماً كرّس مبدأً بسيطاً وحاسماً: التعميم أداة تنظيم داخلي بين المصارف، لا يعلو على نص العقد الموقّع بين المصرف وعميله. هذا الحكم لا يناقش نظرية مجردة؛ إنه يكرّس، من موقع القضاء الفعلي، الأساس القانوني الذي تقوم عليه فكرة التشريح الضمني: أن ما فرضته التعاميم الخمسة على الودائع لم يكن، من الناحية القانونية، معادلاً لتعديل العقد الأصلي بين المودع ومصرفه.

ماذا يعني هذا للمودع؟

أولاً، "دولارك" لم يعد دولاراً كاملاً، إنه واقع موثّق بخمسة تعاميم متتالية، وله الآن سند قضائي يدعمه. ثانياً، أن الفروقات في القيمة التي تحمّلتها بحكم الأمر الواقع (الحسم في ١٥١، خصم الـ٥٪ في السوق الموازية لـ١٥٨ نقاط البيع، القيود الصارمة في ١٦٦) قد تصبح، تدريجياً، قابلة للمساءلة القانونية الفردية، لا مجرد خسارة يجب "قبولها" كجزء من الأزمة. ثالثاً، أن أي حل تشريعي مستقبلي لن يكون عادلاً ما لم يبدأ من الاعتراف بوجود هذه الشرائح الخمس، لا من التعامل مع "الودائع" كأنها كتلة واحدة متجانسة كما كانت قبل ٢٠٢٠.

ماذا يعني هذا لصانع القرار؟

أولاً، أن أي قانون فجوة مالية أو إعادة هيكلة مصرفية بُني، ولو ضمنياً، على افتراض أن التعاميم كانت نافذة وملزمة بالكامل، يقف الآن على أرض قانونية أقل صلابة مما كان يُعتقد. ثانياً، أن الحل التشريعي الحقيقي يبدأ من سؤال واحد لم تتم الإجابة عنه بعد بوضوح: ما هي الوديعة، قانونياً واقتصادياً، اليوم؟ لا يمكن توزيع الخسائر بعدالة قبل تعريف الأصل الذي توزَّع خسارته. ثالثاً، أن استمرار الاعتماد على التعاميم كأداة لإدارة أزمة بحجم النظام المصرفي بأكمله، بدل تشريع واضح يقرّه مجلس النواب، يراكم مخاطر قانونية كامنة (contingent liabilities) لم تُدرَج بعد في أي تقدير رسمي لفجوة النظام، وهي مخاطر قد تتحول، مع تراكم أحكام قضائية مماثلة لحكم القاضية نصر، إلى كلفة مالية فعلية لا يمكن تجاهلها خصوصاً إذا كان هناك مصارف أجنبية ترغب بضخ راسمال جديد في المصرف اللبناني.

ما بدأ في نيسان ٢٠٢٠ كإجراء طارئ لاحتواء أزمة سيولة، تحوّل عبر خمس سنوات وخمسة تعاميم إلى إعادة هيكلة فعلية لكامل النظام المصرفي اللبناني لكن من دون أن تحمل اسم "إعادة هيكلة"، ومن دون تصويت نيابي، ومن دون محاسبة واضحة لمن يتحمّل أي جزء من الخسارة. القضاء بدأ للتو يعيد وضع الإطار القانوني الصحيح لهذا النقاش. والسؤال الذي يبقى معلقاً أمام المودع وصانع القرار على حد سواء: كم من الوقت يجب أن يمر بعد قبل أن يُترجَم هذا الإطار القانوني إلى تشريع ينصف من دفع الثمن فعلياً؟