-إستقلالية مصرف لبنان: التعديل عالج إلى حدّ مهم الاعتراض المتعلق بتداخل صلاحيات المجلس المركزي والهيئة المصرفية العليا، ووُضعت المادة 3 تحت سقف قانون النقد والتسليف (المادة 70). لكن الاختبار الحقيقي ليس استقلالية مصرف لبنان عن الحكومة فحسب، بل استقلال قرار إصلاح المصرف عن المصالح السياسية والمصرفية وعن أي تضارب داخل المنظومة الرقابية نفسها. القانون يضع ضمانات مؤسسية وتضارب مصالح، لكن استقلاليتها الفعلية ستُختبر بالتطبيق.
-إصلاح المصارف وإعادة هيكلتها: فلسفة القانون تقوم أساساً على معالجة كل مصرف على حدة: تقييم قابليته للحياة، ثم إصلاحه ورسملته أو دمجه أو إعادة تنظيمه، وإلا شطبه وتصفيته. معايير التعثر تشمل رأس المال والسيولة والقدرة على الوفاء بالمطلوبات والربحية. لكن تبقى منطقة رمادية مهمة: القانون لا يرسم بوضوح مسار خروج المصرف الذي نجح في الإصلاح وعودته الكاملة إلى النشاط الطبيعي قبل انتهاء معالجة بقية القطاع.
- الملاءة ليست السيولة، وهذه نقطة جوهرية: كون المصرف مليئاً، أي أن قيمة موجوداته تكفي اقتصادياً لتغطية مطلوباته ورأسماله المطلوب، لا يعني بالضرورة أنه يمتلك السيولة الجاهزة واللازمة لتلبية طلبات المودعين عندما يطلبون أموالهم. والقانون نفسه يميز بين الاثنين، إذ يجعل عدم الالتزام بالحدود الدنيا لرأس المال معياراً، وعدم الالتزام بالسيولة أو عدم القدرة على تسديد المطلوبات عند استحقاقها معياراً آخر مستقلاً للتعثر. وهذا مهم جداً في الحالة اللبنانية: مصرف يمكن أن يبدو قابلاً للحياة محاسبياً، لكنه لا يستطيع إعادة الودائع عند الطلب إذا كانت موجوداته الأساسية غير سائلة أو مرتبطة بمصرف لبنان أو الدولة.لذلك لا يجوز اعتبار الملاءة وحدها دليلاً على استعادة المودع القدرة الطبيعية على التصرف بأمواله.
-عودة الانتظام إلى القطاع المصرفي: القانون لا يحدد، في رأيي، مؤشرات خروج واضحة وقابلة للقياس تقول متى نستطيع إعلان عودة القطاع إلى الانتظام. يفترض أن نبحث عملياً عن مؤشرات مثل: رسملة حقيقية، سيولة فعلية، القدرة على الوفاء بالالتزامات عند الاستحقاق، استئناف الائتمان، عودة الودائع بصورة طوعية، تراجع الاعتماد على القيود والاستثناءات، واستعادة العلاقات الطبيعية مع المصارف المراسلة. بعض عناصر رأس المال والسيولة موجودة في القانون، بل يفرض معالجة النقص بضخ أموال خاصة وزيادة السيولة، لكن "عودة الانتظام" كمحطة نهائية محددة المعايير ليست واضحة بما يكفي في النص.
- الثقة المفقودة: القانون يستطيع إعادة بناء شروط الثقة لكنه لا يستطيع تشريع الثقة نفسها. تحديد المصارف القابلة للحياة، إخراج غير القابل منها للحياة، حماية الحقوق، والمحاسبة يمكن أن تعيد المصداقية تدريجيًا. لكن المؤشر الحقيقي للثقة سيكون عندما يصبح المودع مستعدًا لإيداع أموال جديدة في المصرف لأنه يثق به، لا لأنه مضطر إلى استخدامه. وهنا تحديداً تظهر أهمية عدم إبقاء المصرف الذي اجتاز الإصلاح رهينة المصارف المتعثرة؛ فالإصلاح يتم مصرفاً بمصرف، بينما استعادة الثقة تحتاج إلى مصداقية القطاع بأكمله.
-أموال المودعين: القانون يحدد تراتبية امتصاص الخسائر ويمنح الودائع مواقع محددة فيها، مع معاملة انتقالية خاصة للأموال الجديدة وبعض الودائع. لكنه لا يحدد مقدار ما سيسترده المودع، ومتى، وبأي وسيلة ومن أي مصادر. ولذلك لا ينبغي تقديمه باعتباره قانوناً لاسترداد الودائع. والأهم أن تنفيذه معلّق صراحة إلى حين إقرار ونشر قانون الانتظام المالي واسترداد الودائع. وهذا الترابط بين الإصلاح واسترداد الودائع كان مقصوداً أيضاً في المناقشات النيابية.
-المساءلة والمحاسبة: موجودتان بصورة فعلية. القانون يسمح بملاحقة كبار المساهمين وأعضاء مجالس الإدارة والإدارة العليا والمفوضين بالتوقيع ومفوضي المراقبة، عند وجود أسباب منطقية للاشتباه بجرم مدني أو جزائي، ويسمح بالعمل على استعادة أموال أو منافع غير مبررة. والأهم هنا فصل المصرف عن المصرفي: قابلية المصرف للإصلاح لا تعفي المسؤولين عن المخالفات من المحاسبة، كما أن وجود مسؤولية على مصرفي لا يعني بالضرورة وجوب تصفية مؤسسة قابلة للحياة.
في الختام وبإختصار، القانون يوفر إطاراً جدياً لفرز المصارف وإصلاح القابل للحياة وتصفية غير القابل للحياة ومساءلة المسؤولية. لكنه لا يحسم ثلاثة أسئلة حاسمة: متى يستطيع المصرف الذي أصبح مليئاً وقابلاً للحياة أن يعيد أموال مودعيه بصورة طبيعية؟ متى يسمح له بالخروج من النظام الاستثنائي والعودة الكاملة إلى الوساطة المالية؟ وما المؤشرات التي تسمح لنا بالقول إن الانتظام والثقة قد عادا فعلاً إلى القطاع؟ وهذه، إلى جانب مصير الودائع الذي ينتظر قانون الانتظام المالي واسترداد الودائع، هي أهم المناطق الرمادية المتبقية في الصيغة الأخيرة.