تخطي إلى المحتوى
تحليل

الذهب يستكمل الصعود وسط تحول رؤوس الاموال من سندات الخزانة

 الذهب يستكمل الصعود وسط تحول رؤوس الاموال من سندات الخزانة

يرتفع الذهب اليوم بأكثر من 1% مستعيداً مستوى 4580 دولاراً للأونصة لأول مرة منذ ايار مايو الماضي، وذلك ضمن إطار مسار التعافي الذي بدأ يسلكه منذ الخامس من أب أغسطس الماضي.

يأتي تعافي الذهب وسط حلقة جديدة من دورة رأس المال في السوق، حيث نشهد تحولاً من سندات الخزانة الأمريكية ذات العائد المرتفع باتجاه الأصول البديلة، وذلك على ضوء حالة عدم اليقين التي خيمت على سوق الدخل الثابت. جاء هذا التحرك عقب إعلان وزير الخزانة الأمريكي عن خطة لمضاعفة عمليات إعادة شراء سندات الخزانة طويلة الأجل في مسعى لخفض عوائدها، التي يبدو أنها قوبلت بسلبية واسعة في السوق بالتزامن مع تفاقم المخاوف بشأن استدامة الدين العام الأمريكي الذي بلغ عتبة جديدة عند 40 تريليون دولار.

قبل الخوض في التفاصيل، أرى أنه من غير المجدي مناقشة المسارات المحتملة للمعدن الأصفر بوصفه ملاذاً آمناً، بل يكمن الجوهر في فهم تحركات رؤوس الأموال والقيود التي تُفرض عليها.

في البداية، قوبلت خطوة إعادة شراء سندات الخزانة التي أعلن عنها وزير الخزانة سكوت بيسينت بانتقادات واسعة من الخبراء. يرى غريغ إب، كبير المعلقين الاقتصاديين في صحيفة وول ستريت جورنال، أن هذه الخطوة من شأنها أن تزعزع سمعة الولايات المتحدة التي تتسم بالاستقرار والقدرة على التنبؤ، كما أنها تعالج الأعراض لا السبب المؤدي لارتفاع العوائد. إضافة إلى ذلك، يرى محللون في شركة Evercore ISI، وفق ما نقله موقع أكسيوس، أن تدخل وزارة الخزانة بشكل مباشر في سوق الدين يتعارض مع التوجه الذي يتبناه الاحتياطي الفيدرالي في عهد رئيسه الجديد كيفين وارش، والذي يسعى إلى جعل السوق أكثر قدرة على الاستجابة للتغيرات الاقتصادية وتسعير معدلات الفائدة المواتية.

يأتي هذا في وقت تتراجع فيه رغبة الحكومات الأخرى في شراء سندات الخزانة الأمريكية، نظراً لعوامل متعددة ومنها تغطية الالتزامات المحلية أو الابتعاد عن الدولار. هذا التراجع من شأنه تعزيز تأثير دور المستثمرين والمتداولين، كصناديق التحوط، في سوق الدخل الثابت، وفق موقع أكسيوس أيضاً. هؤلاء المستثمرون بدورهم أكثر حساسية لتحركات عوائد السندات وتقلبات السياسات، بخلاف المشترين الحكوميين الذين ينظرون إلى هذه الأدوات بوصفها مخازن للسيولة.

بناءً عليه، ساهم تدخل وزارة الخزانة في إضعاف تأثير العوائد المرتفعة للسندات، القريبة من أعلى مستوياتها منذ عام 2007، على الذهب والأصول الأخرى غير المدرة للعائد، مما قد يفسر دوران رؤوس الأموال مجدداً باتجاه تلك الأصول.

ساهمت التدفقات باتجاه الصناديق الاستثمارية المتداولة المادية للذهب في تغذية الاتجاه الصاعد أيضاً. تمكن أكبر هذه الصناديق، SPDR Gold Shares (GLD)، من جذب تدفقات بلغت قرابة ملياري دولار خلال الجلستين السابقتين، أي منذ إعلان بيسينت. تترقب الأسواق أرقام تقرير التزامات المتداولين (CoT) لاحقاً اليوم لبيان ما إذا كان المتداولون قد عززوا تمركزهم الشرائي في العقود الآجلة للمعدن الأصفر، بما يساعد في تأكيد مدى قوة الاتجاه السائد. حتى تاريخ 11 أغسطس، كانت التمركزات الشرائية للمتداولين غير التجاريين قد بلغت أعلى مستوى لها منذ يناير الماضي عند أكثر من 250 ألف عقد، مما يمثل زيادة بقرابة 25% عن القاع المسجل في مايو الماضي، وذلك في مقابل أدنى مستوى للمراكز البيعية منذ عام 2020 عند قرابة 33 ألف عقد في بورصة شيكاغو التجارية (COMEX). يوحي نشاط سوق العقود الآجلة بإعادة بناء مراكز الرافعة المالية عقب الانحسار الذي تلى الهبوط العنيف في يناير الماضي، إذ أعتقد أن هذه التحركات تلعب دوراً محورياً في تغذية الاتجاهات في الأسواق التي تتأثر بشدة بالتحركات المضاربية كالذهب والفضة.

في مقابل هذا السرد المتفائل للذهب، لا ينبغي إهمال العوامل الهبوطية ذات المخاطر المرتفعة للغاية حتى الآن، وتحديداً القادمة من الشرق الأوسط. يشهد الإقليم حالياً منطقة رمادية من حالة لا سلم ولا حرب، إذ يبدو طريق المفاوضات مسدوداً من جهة، بينما تظل مخاطر التصعيد العسكري متعدد الجبهات مرتفعة من جهة أخرى. يبدو أن الرئيس دونالد ترامب اختار عدم الانجرار نحو التصعيد لحين الانتهاء من انتخابات التجديد النصفي المقررة في نوفمبر المقبل، والتي ستليها الانتخابات المفصلية في إسرائيل أيضاً، إذ قد لا يرغب ترامب في خوض هذه الانتخابات وسط أسعار مرتفعة للغاية للغازولين والديزل وعوائد السندات التي تؤثر في تكاليف الاقتراض طويل الأجل. بدلاً من ذلك، اختار ترامب الآن مسار الضغط الاقتصادي على إيران أملًا في إرغامها على العودة إلى المفاوضات وتقديم تنازلات بشأن مضيق هرمز والبرنامج النووي أو حتى إسقاط النظام، وهو ما أعتقد أنه مستحيل في الحالة الإيرانية.

بناءً عليه، وفي ظل عدم القدرة على التوصل إلى تسوية عسكرية أو دبلوماسية لهذه الحرب، فإن مخاطر العودة إلى الصراع الشامل لا تزال مرتفعة سواء في الوقت الراهن أم بعد أشهر قليلة. ينطوي هذا الوضع على مخاطر تكثيف استهداف حركة الملاحة البحرية في مضيقي هرمز وباب المندب، والبنية التحتية لإنتاج النفط وتصديره ومكرراته. مخاطر التصعيد هذه تنطوي بدورها على إعادة فرض قيود على تدفق رؤوس الأموال باتجاه الذهب، ليس فقط بسبب مخاطر التضخم وارتفاع عوائد السندات التي بدأ ينحسر تأثيرها، بل أيضاً على ضوء تراجع السيولة الاستثمارية في الشرق الأوسط وآسيا. هذا ما حدث بالفعل خلال أشهر هذه الحرب وأثبتته أرقام مجلس الذهب العالمي، ومن هنا أؤكد وجهة النظر القائلة بعدم جدوى مناقشة سردية الملاذ الآمن في الأزمات والحروب.

تراجع الطلب الاستثماري العالمي على الذهب بأكثر من 50% في الربع الثاني من هذا العام قياساً بالربع الأول، وبنسبة 46% على أساس سنوي، في حين تراجع الطلب الاستهلاكي للمجوهرات الذهبية بنسبة 5% على أساس ربع سنوي و17% على أساس سنوي، وكانت وتيرة هذا التراجع بنسبة 32% و24% على التوالي مقارنة بالربع الأول. أما إقليمياً، فلا يزال الطلب على المجوهرات منخفضاً قياساً بما كان عليه العام الماضي وإن شهد تحسناً في الربع الثاني مقارنة بالربع الأول، حيث تراجع الطلب بنسبة 19% و15% و25% في الشرق الأوسط والهند والولايات المتحدة على التوالي في الربع الثاني على أساس سنوي. ميل الأفراد في أوقات الحروب إلى تفضيل السيولة لتغطية النفقات الضرورية، أو فقدان العملات الوطنية غير المرتبطة بالدولار لقيمتها، قد يحول دون تدفق السيولة نحو الاستثمارات ومن بينها الذهب.