في إحدى المقابلات التلفزيونية، قال معالي الوزير السابق رائد خوري، رئيس مجلس إدارة بنك سيدروس وعضو مجلس إدارة جمعية مصارف لبنان، ما معناه: على الدولة اللبنانية أن تسدد ما عليها من ديون، وبعد ذلك يجب أن يُعاقب كل مصرفي لا يسدد أموال مودعيه.
كلام يبدو، للوهلة الأولى، منطقياً وعادلاً. لكنه يخفي، بين سطوره، مغالطة خطيرة تستحق التوقف عندها: فهو يختزل مسؤولية الدولة عن الأزمة بمسؤولية واحدة فقط، سداد الدين، وكأن ما تبقى، أي مسؤولية المصارف، أمر منفصل تماماً لا علاقة له بالدولة ولا بأسباب الأزمة. والحقيقة أعقد من ذلك بكثير.
- مسؤوليتان للدولة، لا مسؤولية واحدة
لا خلاف على أن الدولة تتحمل مسؤولية سلامة الوطن والمواطن والاقتصاد، وأن هذه المسؤولية تتجسد في معالجة تداعيات الأزمة ومنع تكرارها. هذه هي المسؤولية "العلاجية" أو "الوقائية"، وهي غير مثيرة للجدل.
لكن هناك مسؤولية أخرى، سابقة على هذه، ولا يجوز إسقاطها: من الذي أنتج الأزمة أصلاً؟ من الذي أساء إدارة المالية العامة، وهدر المال العام، واستدان بطريقة غير مسؤولة؟ الجواب معروف: مكونات الطبقة السياسية الحاكمة، التي تحكّمت بالبلاد والعباد لعقود، وليست المصارف ولا المصرفيون.
هاتان مسؤوليتان مختلفتان تماماً: المسؤولية عن إنتاج الأزمة، والمسؤولية عن معالجة الأزمة. والدولة معنية بالثانية بلا جدال. أما الأولى، فهي تقع بشكل رئيسي على من أدار الشأن العام بهذا الشكل الكارثي.
- مثل يوضح الفكرة
لنتخيّل مثلاً بسيطاً، وإن بدا بعيداً عن الموضوع: فرد يقيم نزهة (سيران - picnic) في إحدى غابات الأرز في لبنان، فيتسبب بحريق كبير يدمّر الغابة ويطال منازل مجاورة (أزمة نظامية في نتائجها)؛ سواء كان ذلك بفعل متعمّد (جريمة) أو بإهمال (تقصير) - ازمة ليست نظامية في أسبابها ومسبباتها. في هذه الحالة:
. على السلطة صاحبة الإختصاص أن تحقق فيما إذا وقعت جريمة أو تقصير، وأن تحدد المسؤولية بدقة.
. على السلطة أن تعالج تداعيات الحريق وتمنع تكراره، مع الأخذ بعين الاعتبار أسبابه الحقيقية.
. وبما أن فرداً واحداً لا يمكنه تحمل كلفة التعويض الكاملة للمتضررين، تتحمل الدولة مسؤولية المعالجة والتعويض، لأنه من غير العدل تحميل المتضرر (صاحب المنزل المحترق) كلفة إعادة الإعمار.
لكن لاحظوا: معالجة الدولة للتداعيات وتحمّلها كلفة التعويض لا يعني أبداً أن الفاعل الأصلي، سواء كان مجرماً أو مقصّراً، أصبح بريئاً من المسؤولية. الدولة تحمي الغابة، وتعالج، لكنها لا تُبرئ من تسبب بالحريق.
وبهذا المنطق: من العيب الشديد، بل من الظلم البيّن، أن تُحمَّل الضحية ( أي المودع في الأزمة المصرفية) مسؤولية أزمة لم يكن هو من صنعها.
-أين المصارف من كل هذا؟
المفارقة في كلام الوزير خوري أنه، وباختصار شديد، يعفي المصارف من أي مسؤولية على الإطلاق. وكأن دور المصرف في الأزمة يقتصر على كونه متضرراً مثل المودع تماماً، بينما الدولة وحدها هي المدينة والمسؤولة. هذا التبسيط يطرح أسئلة لا يمكن تجاوزها:
. هل سداد أموال المودعين، بحد ذاته، يعيد الحياة والانتظام إلى القطاع المصرفي اللبناني؟
. وهل سداد الأموال، مهما كان مصدره، يعيد الثقة إلى هذا القطاع؟
الجواب، على الأرجح، هو لا. فقد ينجح قانون أو مجموعة قوانين في معالجة أوضاع المصارف اليوم وإعادة الأموال إلى أصحاب الحق الاقتصادي فيها. لكن الثقة لا تُستعاد بقانون. الثقة قرار تتخذه مكونات المجتمع اللبناني، من أفراداً ومؤسسات، طوعاً، ولا يمكن لأي سلطة تنفيذية أو تشريعية أن تفرضها بمرسوم أو نص.
وهنا يُطرح السؤال الأهم: من المسؤول عن إعادة الثقة إلى القطاع المصرفي اللبناني؟ أليست هذه، في جزء كبير منها، مسؤولية المصارف نفسها، بما قدّمته أو لم تقدّمه من شفافية ومساءلة وحوكمة طوال سنوات الأزمة؟
- متى بدأت مسؤولية المصارف؟ ولماذا التاريخ مهم؟
المسألة الأخرى التي لا تحظى بما تستحقه من نقاش هي: متى بدأت الأزمة فعلياً؟ الرواية السائدة تؤرّخ للانهيار بتشرين الأول (أكتوبر) 2019، تاريخ الانفجار العلني وبداية القيود على السحوبات. لكن المؤشرات الداخلية لضائقة القطاع المصرفي كانت قائمة قبل ذلك بسنوات، منذ صيف عام 2017 على الأقل.
هذا الفارق الزمني ليس تفصيلاً أكاديمياً. فإذا كانت الأزمة قد بدأت فعلياً منذ 2017، فإن ذلك يفتح الباب أمام سؤال مصيري: ماذا فعلت المصارف، وماذا عرفت، وماذا أخفت، خلال تلك السنوات التي سبقت الانهيار العلني؟ هل استمرت في جذب الودائع وتقديمها كخيار آمن فيما كانت المؤشرات الداخلية تشي بعكس ذلك؟
- توصيف المسؤولية لا تبرئتها
المطلوب ليس تحميل المصارف كامل وزر الأزمة، فهذا تبسيط مضلل بقدر ما هو تبسيط تبرئتها الكاملة. المطلوب هو توصيف دقيق وموثّق، مصرفاً مصرفاً، لمسؤولية كل مؤسسة مصرفية، بدءاً من صيف 2017 وليس من تشرين 2019، بعيداً عن الخطابات العامة التي تُسقط المسؤولية بالكامل على الدولة وتُعفي القطاع المصرفي من أي مساءلة.
فالدولة مسؤولة عن سداد ديونها ومعالجة تداعيات الأزمة، هذا صحيح. لكن هذا لا يعني أن كل ما عدا ذلك بريء. والمودع الذي يُطلب منه اليوم أن يتفهّم ويصبر ويقتنع بأن لا أحد مسؤولاً سواه من دفع الثمن، يستحق أكثر من ذلك بكثير: يستحق الحقيقة، موثّقة ومؤرَّخة، عن كيف ولماذا احترقت غابته.