تسعى موسكو إلى ترسيخ موقعها كلاعب رئيسي في خطوط الملاحة العالمية عبر استثمارات ضخمة في القطب الشمالي، في وقت تتزايد فيه أهمية الممرات البديلة لطرق الشحن التقليدية بين آسيا وأوروبا.
ويأتي هذا التوسع في سياق تنافس دولي متصاعد على السيطرة على طرق الملاحة القطبية، مع تزايد اهتمام الصين تحديداً بممر الملاحة الشمالي كبديل يقلّص زمن الشحن مقارنة بالمسارات الجنوبية التقليدية عبر قناتي السويس وبنما. وتراهن روسيا على هذا الاهتمام لتعزيز شراكتها الاقتصادية مع بكين، في ظل العقوبات الغربية التي دفعت موسكو إلى إعادة توجيه جزء كبير من تجارتها نحو الشرق.
في هذا السياق أعلن رئيس مؤسسة "روساتوم" أليكسي ليخاتشوف، في مقابلة مع مجلة "إكسبرت"، أن حركة الشحن عبر ممر الملاحة الشمالي حافظت للعام الثاني على التوالي على مستوى قياسي تجاوز 37 مليون طن، متوقعاً تسجيل رقم قياسي جديد هذا العام بنمو يبلغ نحو 14% على أساس سنوي.
وبحسب ليخاتشوف، بلغ حجم الشحن الإجمالي عبر الممر 37.02 مليون طن بنهاية عام 2025، شكّلت فيها عمليات النقل بين الموانئ الصينية والروسية نحو 15% من إجمالي حركة الشحن، أي ما يعادل 5.4 مليون طن.
وأشار رئيس "روساتوم" إلى أن شركات النقل الصينية تُظهر اهتماماً متنامياً بهذا المسار القطبي. ووفق ما ذكره، نُفّذت في العام الماضي 23 رحلة حاويات بين الموانئ الصينية والروسية عبر ممر الملاحة الشمالي، فيما تخطط الشركات الصينية لتنفيذ أكثر من 30 رحلة خلال عام 2026.
وأضاف ليخاتشوف أنه من المقرر تنفيذ ثماني رحلات، بين اب وتشرين الاول من العام الجاري، على خط يربط مدينة نينغبو الصينية بميناء فيليكستو البريطاني.
وكانت روسيا قد أعلنت في العام الماضي عن أول رحلة عبور مباشرة عبر ممر الملاحة الشمالي من الصين إلى أوروبا، استغرقت 20 يوماً فقط، أي نصف المدة التي تستغرقها الرحلات عبر المسارات الجنوبية التقليدية تقريباً.
في تصريحات منفصلة للمقابلة نفسها، كشف ليخاتشوف أن "روساتوم" أعدّت، بتكليف من الرئيس الروسي وبالتعاون مع "فوستوكغوسبلان" ووزارات النقل والطاقة والتنمية الاقتصادية والسكك الحديدية الروسية، نموذجاً مالياً واقتصادياً متكاملاً للممر النقل عبر القطب الشمالي.
ويقوم النموذج، بحسب ليخاتشوف، على ثلاثة محاور رئيسية:
أولاً - الاستثمار في البنية التحتية: يتطلب تطوير البنية التحتية للنقل والأسطول استثمارات تقدَّر بـ5 تريليونات روبل حتى عام 2030، ومبلغ مماثل خلال السنوات الخمس التالية.
ثانياً - توقعات حركة الشحن: وضعت "روساتوم" سيناريوهين لتطور حركة الشحن، أساسي وتفاؤلي، بآفاق زمنية تمتد حتى عامي 2035 و2040. ويستهدف السيناريو الأساسي رفع حركة الشحن إلى ما بين 110 و150 مليون طن بحلول عام 2035، فيما يمكن أن ترتفع، وفق السيناريو التفاؤلي وفي ظل ظروف اقتصادية كلية مواتية وإعادة توجيه الشحنات من الشمال الغربي، إلى 200 مليون طن بحلول عام 2040، شريطة توفر البنية التحتية اللازمة. ولفت ليخاتشوف إلى ضرورة الاستعداد لاحتمال نمو حركة الشحن بوتيرة أسرع من السيناريو الأساسي.
ثالثاً - آليات التمويل الحكومي: يتضمن المحور الثالث من النموذج آليات دعم حكومي تشمل الخصومات الضريبية، ودعم أسعار الفائدة، وتمويل المشاريع ذات الأهمية الخاصة ضمن الممر.
وكان نائب رئيس الوزراء الروسي والممثل المفوض لرئيس روسيا في المنطقة الفيدرالية للشرق الأقصى، يوري تروتنيف، قد صرّح في حزيران الماضي بأن كلفة تنفيذ الخطة الشاملة لتطوير الممر النقل عبر القطب الشمالي تُقدَّر بنحو 32 تريليون روبل.
ويُعرَّف الممر النقل عبر القطب الشمالي بأنه منظومة موحدة من المسارات، تضم ممر الملاحة الشمالي والممرات المائية الداخلية المرتبطة به ومنشآت البنية التحتية للنقل، وتهدف إلى التنمية الشاملة لمناطق القطب الشمالي والشرق الأقصى الروسيين، وتوسيع القاعدة التجارية، وتطوير عمليات النقل الداخلية والدولية والعابرة للبضائع والركاب على امتداد الساحل الروسي.