في 17 آب، بدأت شركة Alvarez & Marsal تدقيقاً جنائياً جديداً في حسابات مصرف لبنان، يغطي الفترة من تشرين الأول 2019 حتى نهاية 2023. وصف مصرف لبنان لهذا التدقيق كان دقيقاً في تحديد نطاقه: تدقيق في "معاملات مُختارة" (selected transactions) مرتبطة بالموجودات بالعملات الأجنبية، وبرامج الدعم، والتحويلات الأخرى. هذه الدقة بالذات هي ما يستدعي التوقف.
التدقيق الجنائي، بحكم منهجيته، لا يبدأ من لائحة جاهزة. هو يبدأ من الكل. المسار المعتمد ينطلق من دفتر الأستاذ العام نحو التفاصيل: إعادة بناء التدفقات المالية، اختبار الضوابط الرقابية، مقارنة التفويضات بما تحرك فعلياً من أموال، على مستوى المؤسسة بأكملها وللفترة الزمنية كاملة. المخالفات، إن وُجدت، من المفترض أن تظهر من خلال هذه العملية، لا أن تُحدَّد سلفاً. عبارة "معاملات مُختارة" تصف عادة النصف الثاني من هذا المسار، أي المرحلة التي تلي مراجعة شاملة تكون قد حددت أين يجب البحث. لكن حين تُطرح هذه العبارة كنقطة انطلاق، من دون أن يظهر للرأي العام أي مراجعة شاملة سبقتها، فإنها تصف أمراً مختلفاً تماماً: نطاقاً رسمه أحدهم مسبقاً.
وهذا "الأحد" هو، بحسب المعطيات المتاحة، مصرف لبنان نفسه. فقد سبق للمصرف، في وقت سابق من هذا العام، أن أطّر التدقيق بصيغة أضيق: التحقق من أن المدفوعات والتحويلات نُفّذت وفق التفويضات الأصولية، وأن الأموال استُعملت للغايات المخصصة لها. هذا تحقق من الامتثال، وليس تفويضاً جنائياً مفتوحاً. وإعلان آب عن "معاملات مُختارة" ينسجم مع هذا التأطير المبكر، لا أنه يخرج عنه. لا اتهام، بل فجوة في الإفصاح.
لا شيء مما سبق يعني أن ثمة إخفاءً متعمداً. من الممكن تماماً أن تكون مراجعة داخلية شاملة قد جرت فعلاً، وأن "المعاملات المختارة" الخاضعة للتدقيق اليوم هي نتاجها الموثّق، وفي هذه الحالة، تكون المشكلة في الإفصاح لا في الجوهر. لكن الاحتمالين، من موقع الرأي العام، متطابقان تماماً في الشكل، ولا سبيل للتمييز بينهما. وهنا بالضبط تكمن المعضلة. فكون المؤسسة الخاضعة للتحقيق هي من يرسم حدود هذا التحقيق ليس أمراً غير مقبول بحد ذاته؛ فالتدقيقات تُحدَّد نطاقاتها عادة من الجهة الطالبة لها. ما ينقص هنا هو الشق الثاني من هذه المعادلة: مرجعية معلنة لنطاق العمل (terms of reference)، أو منهجية اختيار مُصرَّح بها، أو تأكيد مستقل بأن المعاملات المختارة هي نتاج مراجعة أوسع، لا بديل عنها.
لبنان مرّ بهذا من قبل
التدقيق الجنائي الذي أنتج التقرير الأولي عام 2023 حول أداء مصرف لبنان في عهد حاكمه السابق استغرق وقت طويلاً، وتوقف واستُؤنف أكثر من مرة، واستلزم تعليقاً مؤقتاً للسرية المصرفية قبل أن يصل إلى محاسبة جزئية. الدرس المستخلص من تلك التجربة لم يكن أن التدقيق مستحيل في لبنان، بل أن مصداقيته تتوقف كلياً على شروط يمكن للرأي العام التحقق منها: ما الذي طُلب، وما الذي رُفض تسليمه، وعلى أي أساس. أما تدقيق جديد يبدأ مباشرة بـ"معاملات مُختارة"، من دون الإفصاح عمّا سبق هذا الاختيار، فإنه يعيد فتح السؤال نفسه، قبل أن تُنشر أي نتيجة.
الحل بسيط، والكلفة معدومة
الحل هنا ليس معقداً، ولا يكلّف المصرف المركزي شيئاً ينبغي أن يتردد في تقديمه: نشر المعايير، أو المراجعة، التي أفضت إلى هذا الاختيار. إلى أن يحصل ذلك، تبقى عبارة "معاملات مُختارة" أقل من كونها نطاق عمل واضحاً. هي، في جوهرها، ادعاء تُطلقه الجهة الخاضعة للتحقيق بأن التحقيق بلغ من النضج ما يكفي لتحديد أين يجب أن ينظر قبل أن يكون قد نظر أصلاً.