في لبنان، باتت كلمة «مستقل» من أكثر الكلمات تداولًا في الحياة السياسية، وأكثرها التباسًا في الوقت نفسه. فكلما اقترب إستحقاق انتخابي أو ظهر مشروع سياسي جديد، خرجت إلينا شخصيات تعلن استقلالها عن الأحزاب والقوى السياسية. لكن السؤال الذي يفرض نفسه: هل يكفي ألا تكون حزبيًا كي تكون مستقلًا؟
الاستقلال السياسي لا يُقاس فقط ببطاقة انتساب إلى حزب من عدمها، ولا بصورة مع مرشح أو غيابها. الاستقلال موقف قبل أن يكون صفة، وسلوك قبل أن يكون شعارًا.
قد يكون الإنسان خارج الأحزاب، لكنه في الممارسة شديد القرب من أحزاب السلطة، يدافع عن سياساتها، يبرر أخطاءها، ويتجنب مواجهتها عندما تتعارض مصالحه معها. وفي المقابل، قد يكون الإنسان مستقلًا تنظيميًا، لكنه معارض بشدة للطبقة السياسية، يرفض أداءها ويواجهها عندما يرى أنها تضر بمصلحة الدولة والمجتمع. وهنا يجب التمييز بين الاستقلال والمعارضة.
ليس مطلوبًا من المستقل أن يكون معارضًا دائمًا، كما أن المعارضة لا تعني بالضرورة الاستقلالية. لكن المطلوب من المستقل أن يحتفظ بمسافة واحدة من الجميع، وأن تكون مواقفه نابعة من قناعته ومصلحة الناس والدولة، لا من حسابات انتخابية أو طائفية أو شخصية.
في لبنان، تصبح المسألة أكثر تعقيدًا لأن الطبقة السياسية لم تعد مجرد أحزاب منفصلة؛ بل تحولت، على مدى عقود، إلى منظومة متشابكة من المصالح والنفوذ والزبائنية، تتجاوز أحيانًا حدود الموالاة والمعارضة. ولذلك فإن إعلان الاستقلال من دون امتلاك القدرة على مواجهة هذه المنظومة عند الخطأ، يطرح سؤالًا مشروعًا حول معنى هذا الاستقلال وحدوده.
فالاستقلال الحقيقي لا يعني أن تعارض الجميع، بل يعني ألا تخاف من معارضة أحد.
أن تقول للحزب الذي تؤيده: أخطأت.
وللزعيم الذي تحترمه: لا أوافقك.
وللسلطة التي قد تحتاج إليها: لن أبيع موقفي.
وللشارع الذي تنتمي إليه: المصلحة الوطنية ليست دائمًا في صف جماعتنا.
وهذه هي المشكلة الأساسية في الحياة السياسية اللبنانية: لقد اعتدنا أن نبحث عن «مستقل» لا يخاصم أحدًا، بدل أن نبحث عن شخص حر لا يستطيع أحد شراء موقفه.
فالسياسي الذي لا يعارض السلطة خوفًا من خسارة موقع أو دعم أو جمهور، ليس بالضرورة مستقلًا لمجرد أنه لا يحمل بطاقة حزبية. وفي المقابل، فإن من يعارض السلطة لمجرد المعارضة، من دون مشروع أو رؤية أو بديل، لا يصبح مستقلًا لمجرد أنه يرفع شعار التغيير.
لبنان لا يحتاج إلى مزيد من تبديل الوجوه فقط، بل إلى تغيير مفهوم العمل السياسي نفسه.
نحتاج إلى أشخاص لا تحكمهم الطوائف عندما يتخذون مواقفهم، ولا الأحزاب عندما يصوتون، ولا المصالح الشخصية عندما يحددون أولوياتهم. نحتاج إلى سياسي يستطيع أن يرى المواطن قبل الطائفة، والدولة قبل الحزب، والقانون قبل الزعيم.
الاستقلال الحقيقي هو أن تكون حرًا من سلطة الحزب، كما أنت حر من سلطة الخصومة معه.
وعندما يصبح المستقل قادرًا على انتقاد حليفه كما ينتقد خصمه، ومحاسبة من دعمه كما يحاسب من عارضه، عندها فقط يمكن الحديث عن استقلال سياسي حقيقي.
أما أن يكون «مستقلًا» في الانتخابات، و«محايدًا» أمام أخطاء السلطة، و«متفهمًا» دائمًا لممارسات القوى المهيمنة، ثم يعود ليطلب ثقة الناس، فهنا يصبح السؤال مشروعًا:
مستقل عن من؟ ولصالح من؟
ربما آن الأوان في لبنان لأن نتجاوز ثنائية «مع السلطة أو ضدها»، وننتقل إلى معيار أكثر نضجًا: مع الدولة أو ضدها، مع القانون أو ضده، مع مصلحة المواطن أو ضدها.
فالبلد لا يُبنى بالموالاة الدائمة ولا بالمعارضة الدائمة، بل برجال ونساء يملكون شجاعة اتخاذ الموقف الصحيح، حتى عندما يكون ثمنه سياسيًا وشعبيًا.
ذلك هو الاستقلال الذي يحتاجه لبنان اليوم: استقلال القرار، لا استقلال الشعار.