تخطي إلى المحتوى
تحليل

40 تريليون دولار.. الرقم الذي قد يغيّر حياة الأمريكيين

40 تريليون دولار.. الرقم الذي قد يغيّر حياة الأمريكيين

قد لا يعرف المواطن الأمريكي كم يبلغ الدين العام لبلاده، وربما لا يعني له الرقم شيئاً حين يسمع أن العداد تجاوز 40 تريليون دولار. لكن ماذا لو قلنا إن هذا الرقم الضخم قد يظهر في حياته في صورة أخرى تماماً: فائدة أعلى على المنزل، تكلفة أكبر لتمويل السيارة، بطاقة ائتمان أكثر كلفة، أو مساحة أقل أمام الحكومة لخفض الضرائب والإنفاق عندما يحتاج الاقتصاد إلى الدعم؟

الدين الأمريكي تضاعف خلال أقل من عقد واحد ! وإذا استمر مساره الحالي، فقد يقترب من 50 تريليون دولار بحلول ٢٠٢٩ !

ومع استمرار العجز الفيدرالي وتزايد الإنفاق وارتفاع تكلفة الاقتراض، تتجه التوقعات إلى إمكانية وصول الدين ل50 تريليون دولار وهو رقم هائل، لكنه بحد ذاته لا يعني أن الولايات المتحدة تتجه تلقائياً إلى الإفلاس أو الانهيار، فواشنطن تقترض بالدولار، العملة الرئيسية في النظام المالي العالمي، وسندات الخزانة الأمريكية لا تزال من أهم الأصول التي يعتمد عليها المستثمرون والبنوك المركزية حول العالم.

لكن المشكلة الحقيقية ليست في الرقم وحده، وإنما في تكلفة إبقاء هذا الرقم قائماً .

فالولايات المتحدة لا تحتاج إلى تسديد 40 تريليون دولار دفعة واحدة. اذ ان معظم الدين عبارة عن سندات لها آجال استحقاق، وعندما يحين موعدها تستطيع الخزانة إعادة تمويلها بإصدار سندات جديدة. لكن هذا التمويل يصبح أكثر كلفة عندما ترتفع أسعار الفائدة. ومع تضخم حجم الدين، فإن حتى ارتفاع بسيط في تكلفة الاقتراض يمكن أن يترجم إلى مليارات إضافية من الدولارات التي يتعين على الحكومة دفعها كفوائد.

وهنا تبدأ قصة الدين في الاقتراب من جيب المواطن.

فعوائد سندات الخزانة الأمريكية تؤثر في تكلفة الاقتراض في الاقتصاد بشكل واسع. ولا يعني ارتفاع عائد السندات أن فائدة الرهن العقاري أو قرض السيارة سترتفع بنفس النسبة، لأن لكل منها عوامل أخرى تحدد تكلفتها، لكن ارتفاع عوائد الخزانة يضع ضغوطاً صعودية على تكلفة التمويل. لذلك، عندما تصبح الحكومة نفسها مضطرة إلى دفع عوائد أعلى للاقتراض، يمكن أن يصبح الاقتراض أكثر تكلفة أيضاً بالنسبة للأسر والشركات والحكومات المحلية.

وهذا لا يؤثر فقط في شخص يريد شراء منزل أو سيارة، بل في الاقتصاد كله. فالحكومة المحلية التي تريد بناء مدرسة أو طريق جديد تحتاج إلى الاقتراض، والشركة التي تريد التوسع تحتاج إلى تمويل، والأسرة التي تريد شراء منزل تحتاج إلى رهن عقاري. وكلما ارتفعت تكلفة الأموال، أصبح تنفيذ هذه القرارات أكثر صعوبة أو تكلفة.

لكن الجزء الأكثر حساسية في المعادلة موجود داخل الموازنة الأمريكية نفسها. فمع زيادة الدين وارتفاع الفوائد، يذهب جزء متزايد من أموال الحكومة إلى خدمة الديون السابقة، بدلاً من استخدامها في الإنفاق الحالي أو الاستثمار في المستقبل. وهذا يضيّق مساحة المناورة أمام صانع القرار. فإذا أرادت واشنطن خفض الضرائب أو زيادة الإنفاق على الدفاع أو البنية التحتية أو مواجهة ركود اقتصادي جديد، فإنها تفعل ذلك من نقطة انطلاق أكثر صعوبة بسبب فاتورة الفوائد المتراكمة.

وفي الوقت نفسه، لا تأتي الضغوط كلها من الدين المتراكم خلال السنوات الأخيرة. فالولايات المتحدة تواجه أيضاً التزامات طويلة الأجل مرتبطة بالضمان الاجتماعي والرعاية الصحية، بينما يستمر النقاش السياسي حول حجم الإنفاق الحكومي والضرائب. ومع كل عام يمر، يصبح السؤال أكثر إلحاحاً: هل يستطيع الاقتصاد الأمريكي أن ينمو بالسرعة الكافية حتى يبقى الدين قابلاً للإدارة؟

هذه هي النقطة التي تجعل الحديث عن 50 تريليون دولار أكثر أهمية من مجرد رقم قياسي جديد.

إيلون ماسك، الذي كان من أبرز الداعمين لخفض الإنفاق الحكومي، علّق على رسم بياني يتوقع وصول الدين الأمريكي إلى 50 تريليون 2030 قائلاً: «الرسم البياني دقيق». لكن دقة الرسم البياني لا تعني أن الوصول إلى 50 تريليون دولار سيكون لحظة انهيار تلقائية. فالاقتصاد الأمريكي لا يعمل وفق عتبة سحرية يصبح بعدها الدين كارثياً. ما يحدد مستوى الخطر هو العلاقة بين حجم الدين وحجم الاقتصاد، وقدرة الحكومة على جمع الإيرادات وتمويل ديونها، ومستوى الفائدة، وثقة المستثمرين في قدرة الولايات المتحدة على الوفاء بالتزاماتها.

ولهذا، فإن السؤال الحقيقي ليس ما إذا كان العداد سيصل إلى 50 تريليون دولار، وإنما ماذا سيحدث إذا استمر الدين في النمو أسرع من الاقتصاد، في الوقت الذي ترتفع فيه تكلفة خدمته. عندها يمكن أن تدخل واشنطن في حلقة أكثر تعقيداً: دين أكبر يعني حاجة إلى اقتراض أكبر، واقتراض أكبر يعني فوائد أعلى، والفوائد الأعلى تضغط على الموازنة وتزيد الحاجة إلى الاقتراض من جديد.

ولا تتوقف تداعيات هذه المعادلة عند حدود الولايات المتحدة. فالدولار وسندات الخزانة الأمريكية يشكلان جزءاً أساسياً من النظام المالي العالمي، ولذلك فإن أي تغير كبير ومستمر في تكلفة الاقتراض الأمريكي يمكن أن ينعكس على الأسواق العالمية، وعلى حركة رؤوس الأموال، وأسعار الفائدة وقيمة الدولار.

وفي النهاية، لن يذهب موظف من وزارة الخزانة إلى منزل المواطن ليطالبه بحصته من الـ40 تريليون دولار. لكن المواطن قد يدفع ثمنها بطريقة أكثر هدوءاً وأقل وضوحاً: قرض أغلى، فائدة أعلى، ضرائب أكبر، أو خدمات حكومية أقل.

لذلك، قد لا تكون اللحظة الأكثر أهمية عندما يصل الدين الأمريكي إلى 50 تريليون دولار، بل عندما يبدأ هذا الدين في تغيير القرارات التي تستطيع واشنطن اتخاذها.