تخطي إلى المحتوى
تحليل

هيكلة المصارف ومعضلة الودائع

هيكلة المصارف ومعضلة الودائع

اليوم هناك أشياء أساسية علينا التوقف عندها، تدخل في كيفية توصيف المشهد النقدي في لبنان، أولها تولي الدكتور وسيم منصوري مهام حاكم مصرف لبنان ضمن قانون النقد والتسليف الذي يعطي النائب الأول لحاكم مصرف لبنان صلاحيات كاملة ومتكاملة، يستطيع من خلالها التصرّف بها ومن الملزم عليه التصرّف بها.

أما بالنسبة للودائع ، فلديّ تحفّظ كبير على اختيار د. منصوري للتعابير والمفردات التي يستعملها. فعبارة استرداد أو ردّ الودائع كلمة خطأ اقتصادياً ، والأصح حسابات مصرفية، وهذا مكانها الطبيعي، اذ أن أهمية الودائع في وجودها في يد مؤسسات مصرفية تساعد على ضخّ حياة للاقتصاد المحلي. اليوم في حال استغنى المواطن عن 1000 دولار، وهو ليس بحاجة اليها لتمويل مصاريف استهلاكية واراد تخزينها.. يضعها في المصرف لحاجة آخر لها لاسثمارها لتحفيز الاقتصاد. أعتبر أن تخزين فائض السيولة في الخزانات الحديدية في المنازل يتسبّب جزء كبير بالاختناق الاقتصادي الذي نعيشه.

الودائع التي تشكّل مشكلة كبيرة في حال ذكرنا التعاميم التي أصدرها المصرف المركزي اللبناني، فكل الودائع التي تكوّنت قبل 9 نيسان 2020، أيّ تاريخ اصدار التعميم الاساسي 150 الذي شرّع الودائع بالدولار الفريش، عليها أن تكون بالدولار المحلي، بغض النظر اذا كانت هذه الودائع تكونت اصلا بالدولار أو تحولت من اللبناني الى الدولار وهذا وفق التعميم 150.

أهمية الامر في ان كل الودائع المكوّنة اليوم وموجودة في المصارف التجارية بالدولار المحلي تخضع ل 15% لتوظيفات الزامية لدى مصرف لبنان وهذا ما نسميه الاحتياط الالزامي وهو نسبة مئوية من الودائع بالدولار المحلي.

مشكلة الودائع تنقسم الى قسمين: الاولى أن الودائع التي تكوّنت قبل ثورة 17 تشرين 2019, أغلبها توظفت بمشاريع اقتصادية، ديون لأفراد في لبنان، بشهادات ايداع لدى المصرف المركزي وايضاً باكتتابات بالديون السيادية لدى الدولة اللبنانية. كل ما ذكرت من توظيفات تخضع لمخاطر إئتمانية، لذا يتوجّب على المصرف التجاري تأمين ما يكفي من الاحتياطي والمؤنة لتغطية وامتصاص أي خسارة قد تنتج عن هذه التوظيفات ما دامت الأخيرة عبارة عن ديون للقطاعين الخاص والعام. هذا عدا عن أن المُقترض في حال تعثر ولم يدفع دينه، يتوجّب على المصرف امتصاص الخسارة التي قد تنتج عن هذا الدين، بما أن المصرف يأخذ ضمانات كافية في القطاع الخاص، عكس القطاع العام، بما أن المفهوم العام أن الدولة لا تفلس. اذا السؤال اليوم يطرح نفسه: هل تستطيع أن نعتمد هذه الطريقة لتوزيع الخسائر بين المصارف التجارية والدولة اللبنانية ومصرف لبنان؟ أعتبر أن هذه هي المعادلة الأساسية لتوزيع الخسارة.

الودائع بالدولار المحلي المثقّلة بالمخاطر الإئتمانية والتي نتجت عنها خسائر كبيرة لسببين: الأول أن ديون القطاع الخاص تسدّدت على سعر 1500 ما يعني خسارة للمصارف التجارية، أما الثاني التي تعرّضت له خسارة الحسابات بالدولار المحلي، سببها تعثر الدولة اللبنانية عن دفع التزامتها وتعثر مصرف لبنان عن دفع التزاماته تجاه المصارف التجارية. أعتقد أن الدولة تأخرت بإطلاق القرار بإعطاء فترة سماح واجبارهم بعدم دفع قروضهم ، الا اذا اختاروا تسديدها بعملة القرض وتفرض على المصارف عدم تركيب فوائد وعمولات على فترة السماح هذه، كنا حمينا الجزء الأكبر من هذه القروض وكان القطاع المصرفي محمية بشكل أكبر.

بالنسبة لجزء توظيفات المصارف لدى مصرف لبنان واكتتابات المصارف والديون السيادية ، أعتقد أن الجزء الأكبر من المصارف قام بتسييل حمولته من اليورو بوند من 2016 الى 2019 جزء كبير منهم لم يعد يحمل محفظة سندات الدين السيادية الكبيرة. وأعتقد أن المشكلة الكبيرة بتوظيفات المصارف التجارية في مصرف لبنان .. وهذا يجب أن يُحلّ اليوم.

الإنفلاش نتج عن أمر أساسي، حيث كنا نعيش باقتصاد حجمه وفق الناتج المحلي 55 مليار دولار ولكن كان لدى القطاع المصرفي سيولة جاهزة عبر الودائع تصل الى 170مليار دولار، يعني اليوم الفرق ما يقارب 70 زائد 45 مليار ما يعني 115 مليار دولار فائض لم يستطيع الاقتصاد المحلي أن يمتصه بطريقة منتجة. أعتقد أنه كان على مصرف لبنان يضع ضوابط وحدود على المصارف وشغفها وشهيتها في استقطاب ودائع، خصوصاً أنه المعني بالاستقرار النقدي، و الذي يعرف ان استقطاب فائض من السيولة على إقتصاد ليس قادرا على استيعاب هذا الفائض، ما يشجع على الفساد والهدر ، واستلشاق من قبل المالية العامة بانتاج موازنة متوازنة.

أين وصلنا بالنسبة للودائع؟

أعتقد أن مشكلة الودائع بالدولار المحلي هو ايجاد القيمة الاقتصادية الحقيقية لها.، ما يعني أن وديعة بقيمة 100 الف دولار ضمن مصرف يكون التصنيف الإئتماني متعثر والموجود ضمن دولة التصنيف الإئتماني متعثر أيضا ، لا يمكن أن تساوي ال 100ألف دولار تساوي المبلغ نفسه! على أحد أن يحدّد سعرها. أعتبر أن الدولة والمصارف التجارية والمصرف المركزي وللأسف المودع نفسه عليهم أجمعين أن يتحملوا المسؤولية.

الطريقة الأنسب لعودة الأمور الى طبيعتها، أي خريطة طريق تتطلب أولا إطلاق عجلة إعادة الثقة بالقطاع المصرفي الذي يتطلب من المصارف التجارية التواصل الإيجابي مع مودعيها وزبائنها وفق قدرته على تلبية حاجاتهم، على حسب دراسة الداتا المتعلقة بهم وتصنيفهم أيّ تصنيف الموديعين من حيث القدرة والحاجة. أما بالنسبة للمتقاعدين الذي ليس لديهم مصدر عيش آخر ، وفقاً للداتا خاصتهم والذي وضعهم قلق جدا ويجب ايجاد حلّ لهم.

أعتبر أن كلما أعدنا الحياة للقطاع المصرفي، واليوم لدينا التعميم 165 ، حيث يجب على مصرف لبنان تشجيع المواطن على فتح حسابات تحت أحكام تعميم 165 ودفع المؤسسات التجارية العودة على توطين رواتب موظفيها في المصارف، لإعادة الحياة المصرفية، حيث تتكوّن لديهم أرباح ومن بعدها يفرض عليهم المصرف المركزي جزء من الأرباح ان تذهب باتجاه امتصاص الخسارة الناتجة عن توظيفاتهم الإئتمانية قبل 2019. في هذه الحالة، كلما استطاعت المصارف امتصاص خسارتهم، كلما زادت حظوظ المودعين بالاطمئنان على ودائعهم. أعتبر أن الحلّ يحتاج لسنوات، لكن في حال تقييم موضوعي وحقيقي لمشكلة السيولة، التي هي المشكلة الأساسية، هي بيد المصرف المركزي بجزء كبير ولسنا بحاجة للتشريعات.

وضع الودائع

جزء كبير من الحل اليوم في يد مصرف لبنان، ولا داعي برأيي لانتظار التشريعات. أنا أغالط د. منصوري بما أنه لا يذهب باتجاه الممكن، بل يسير مقاربة مع صندوق النقد الدولي، أي حلّ المشكلة بضربة واحدة، وهذا غير ممكن. أعتبر أن على د. منصوري أن يعرف أنه صدر تعاميم، أثناء وجوده في المجلس المركزي لمصرف لبنان، أهمها تعميم رقم 154 الذي يسير باتجاه توفّر جزء كبير من السيولة لدى المصارف التجارية لطمأنة المودعيين على أموالهم وتمكين المصارف من اعادة الرسملة حتى يكون لديها القدرة على مساعدة الإقتصاد.

أهم أحكام التعميم الأساسي 154 الذي صدر في شهر آب 2020 انه طلب من المصارف اخبار كبار المساهمين إعادة حوالي 30% من التحويلات التي حوّلوها خارج لبنان، حيث أن هذه التحويلات تشكل سيولة جاهزة و من حق المودعين في حال عادت الى المصارف. اضافة الى ذلك وفي التعميم 154 يطلب من المستوردين أن يعيدوا 15% وما فوق من الأموال التي حولوها خارج لبنان. إضافة الى أن التعميم نفسه يطلب من المصارف تأمين 3% سيولة جاهزة ومحررة من أي التزامات من حجم الودائع بالعملة الأجنبية عند كل مصرف.

أعتبر أن تأمين هذه السيولة ستكون جزء كبير من حلّ لأموال المودعين.

ما يقلقني انه حتى اليوم لم يقل د. منصوري شيئاً عن لجنة الرقابة على المصارف التي دورها أساسي بتصنيف المصارف بين مصارف قادرة ومؤهلة على الاستمرار بخدمة الاقتصاد ومصارف يجب وضع اليد عليها.

أعتبر أن انتظار الحاكم للتشريعات لن يؤدي الى النتيجة المطلوبة، لأننا ضمن مرحلة تطلب انقاذ ثم انعاش ثم تعافي ثم نمو إقتصادي من دون تجاوز أي منها. لذلك فإعادة هيكلة القطاع المصرفي يتطلب رأسمال من الصعب توفيره. وحتى لو توفّر فليس وحده يعيد الثقة بالقطاع المصرفي. اذاً أولا الثقة ومن ثم النمو. الذي قاله منصوري في السعودية وحتى في لبنان وأثاء اجتماعاته في المصرف، لا يعطي حلولا، واعتقد الذي يطلبه حالياً هو أساسي طبعا وهو ما طلبه صندوق النقد الدولي والذي عجز عن اتمامها بعد سنتين. و بانتظار أن تستيقظ السلطة السياسية، لماذا لا نذهب باتجاه تفعيل العمل بتعميم مصرف لبنان الذي د. منصوري وزملائه وافقوا عليه للتأكد من لجنة الرقابة على المصارف التي من مهامها تقييم المصارف.