لم يعد تحرك الجنيه الإسترليني أمام الدولار مجرد انعكاس مباشر لفارق أسعار الفائدة بين بنك إنجلترا والاحتياطي الفيدرالي، بل أصبح في الوقت الراهن نتاجًا لتفاعل معقد بين توقعات السياسة النقدية، ومسار التضخم، ومتانة الاقتصاد البريطاني، إلى جانب اتجاهات الدولار الأمريكي والمخاطر الجيوسياسية التي تعيد رسم خريطة أسواق الطاقة. ومن وجهة نظري، فإن الارتفاع الهامشي الأخير للجنيه نحو مستويات 1.3548 دولار لا يمثل حتى الآن بداية موجة صعود قوية، لكنه يعكس تحولًا مهمًا في مزاج المستثمرين، خصوصًا بعد الرسائل التي حملتها شهادة محافظ بنك إنجلترا أندرو بايلي أمام لجنة الخزانة البريطانية، والتي سعى من خلالها إلى تهدئة المخاوف بشأن دخول الاقتصاد البريطاني مرحلة ركود.
وأرى أن أهمية تصريحات بايلي لا تكمن فقط في نفي سيناريو الركود، وإنما في أنها جاءت في توقيت حساس للغاية بالنسبة للجنيه، بعدما بدأت الأسواق توازن بين ضعف سوق العمل وتباطؤ بعض مؤشرات النشاط من جهة، واستمرار الضغوط التضخمية الناتجة عن ارتفاع أسعار الطاقة من جهة أخرى. عندما يؤكد محافظ البنك المركزي أن الاقتصاد ليس على وشك الانزلاق إلى الركود، فهو بذلك يمنح الأسواق مساحة لإعادة تقييم احتمالات قدرة بنك إنجلترا على إبقاء السياسة النقدية مقيدة لفترة أطول دون التسبب في انكماش اقتصادي حاد. وهذا في تقديري يمثل عامل دعم أساسي للجنيه، حتى وإن كان الدعم محدودًا في المدى القصير.
لكنني لا أعتقد أن تصريحات بايلي وحدها كافية لتحويل الاتجاه العام لزوج GBP/USD إلى صاعد بشكل مستدام. فالمشكلة الأساسية بالنسبة للجنيه تكمن في أن بنك إنجلترا نفسه لا يزال منقسمًا حول المسار المناسب للسياسة النقدية. فبينما يرى بعض أعضاء لجنة السياسة النقدية أن الإبقاء على أسعار الفائدة عند مستويات مقيدة يوفر الحماية اللازمة أمام مخاطر التضخم، يضغط آخرون باتجاه تشديد إضافي تحسبًا لاستمرار ارتفاع الأسعار، خصوصًا في ظل صدمة الطاقة الحالية. وقد أبقى البنك سعر الفائدة عند 3.75%، فيما تشير توقعات السوق إلى استمرار حالة عدم اليقين بشأن الخطوة التالية.
ومن وجهة نظري، فإن هذا الانقسام ليس بالضرورة سلبيًا للجنيه، بل قد يتحول إلى عنصر داعم له إذا بدأت البيانات البريطانية القادمة في إظهار أن التضخم أكثر ثباتًا مما كان متوقعًا، أو إذا استمرت أسعار الطاقة في الارتفاع. في هذه الحالة، سيكون أمام بنك إنجلترا هامش أقل مرونة، وقد تضطر الأسواق إلى إعادة تسعير توقعاتها باتجاه سياسة نقدية أكثر تشددًا. وهذا السيناريو تحديدًا يمكن أن يمنح الجنيه قوة إضافية، لأن العملة البريطانية ستستفيد حينها من ارتفاع العائد المتوقع على الأصول المقومة بها. إلا أنني أستبعد في الوقت نفسه أن نشهد دورة رفع قوية ومتواصلة للفائدة، لأن ضعف سوق العمل والنمو المحدود سيبقيان عائقًا أمام بنك إنجلترا.
الجانب الآخر من المعادلة يتمثل في الدولار الأمريكي، وهنا أرى أن مستقبل GBP/USD لن تحدده بريطانيا وحدها. فبيانات التضخم الأمريكية، ولا سيما مؤشر أسعار المنتجين ومؤشر أسعار المستهلكين، ستظل العامل الأكثر قدرة على إعادة توجيه توقعات الأسواق بشأن الاحتياطي الفيدرالي. فإذا جاءت أرقام التضخم أعلى من التوقعات، فإن ذلك قد يعيد إحياء الطلب على الدولار ويضغط على الجنيه، حتى لو ظلت الصورة البريطانية مستقرة. أما إذا أظهرت البيانات استمرار تراجع الضغوط السعرية الأمريكية، فسوف يحصل الجنيه على فرصة حقيقية لتوسيع مكاسبه، خصوصًا إذا تزامن ذلك مع ضعف في توقعات العائد على الدولار.
وهنا تحديدًا أرى أن السوق قد يكون أمام مفارقة مهمة؛ فارتفاع أسعار الطاقة العالمية لا يمثل خطرًا على الاقتصاد البريطاني وحده، بل يمكن أن يعيد إشعال التضخم في الاقتصادات الكبرى. وقد حذر بنك إنجلترا بالفعل من أن ارتفاع أسعار الطاقة قد يدفع التضخم إلى الارتفاع مجددًا، فيما تقترب أسعار النفط من مستويات مرتفعة للغاية بفعل التوترات الجيوسياسية. وفي تقديري، إذا استمرت هذه الصدمة لفترة أطول، فإنها قد تصبح عاملًا داعمًا للجنيه على المدى المتوسط من زاوية السياسة النقدية، لكنها في الوقت نفسه قد تحد من شهية المخاطرة وتزيد تقلبات الأسواق، وهو ما يجعل الصورة أكثر تعقيدًا.
أما بالنسبة لتحركات GBP/USD، فأرى أن منطقة 1.35 دولار أصبحت في الوقت الحالي محورًا نفسيًا مهمًا، ليس باعتبارها مستوى فنيًا منعزلًا، وإنما باعتبارها منطقة تعكس توازنًا دقيقًا بين قوة الجنيه وضعف الدولار. قدرة الزوج على الاستقرار أعلى هذه المنطقة، بالتزامن مع تحسن توقعات الاقتصاد البريطاني وتراجع الضغوط على الدولار، ستعزز فرص اختبار مستويات أعلى تدريجيًا. لكن أي عودة واضحة دونها، خصوصًا إذا جاءت مدفوعة ببيانات تضخم أمريكية قوية، ستكون إشارة إلى أن السوق لا يزال غير مستعد لمنح الجنيه اتجاهًا صاعدًا مستدامًا.
توقعي الأساسي في المرحلة المقبلة هو أن يبقى GBP/USD في نطاق متقلب مع ميل صعودي حذر، بدلًا من الدخول مباشرة في موجة ارتفاع قوية. أرى أن الجنيه يمتلك مقومات تسمح له بالتماسك، خصوصًا إذا واصل بنك إنجلترا إظهار قدر من التشدد مقارنة بتوقعات خفض الفائدة، لكنني لا أرى مبررًا حاليًا للمراهنة على ارتفاعات كبيرة ومستدامة قبل اتضاح مسار التضخم الأمريكي والسياسة النقدية لبنك إنجلترا. وبعبارة أخرى، فإنني أتعامل مع قوة الجنيه الحالية باعتبارها قوة مشروطة وليست اتجاهًا مؤكدًا.
وفي المحصلة، أعتقد أن معركة GBP/USD دخلت مرحلة جديدة يصبح فيها السؤال الأهم ليس "هل سيرتفع الجنيه أم ينخفض؟"، وإنما أي بنك مركزي سيجبر الأسواق على إعادة تسعير توقعاتها أولًا. تصريحات بايلي نجحت في تقليل مخاوف الركود ومنحت الجنيه بعض الدعم، لكنها لم تحسم معركة السياسة النقدية البريطانية. وفي المقابل، فإن التضخم الأمريكي يملك القدرة على قلب المشهد سريعًا لصالح الدولار أو ضده.
لذلك، أرى أن السيناريو الأكثر ترجيحًا هو استمرار التذبذب مع أفضلية صعودية محدودة للجنيه طالما حافظ الاقتصاد البريطاني على قدر من الصمود، وبقي بنك إنجلترا متحفظًا تجاه خفض الفائدة، ولم تأتِ بيانات التضخم الأمريكية بمفاجأة قوية تعيد الزخم إلى الدولار. بالنسبة لي، فإن تجاوز الجنيه لمستويات أعلى سيكون بحاجة إلى محفز أمريكي واضح أكثر من حاجته إلى تصريحات بريطانية إضافية؛ فالرسالة البريطانية وصلت إلى الأسواق، والآن يبقى القرار إلى حد كبير في يد البيانات الأمريكية.