تخطي إلى المحتوى
تحليل

معادلة لا تُحَل: حين يُطالب الموظف بما لا تملكه الدولة

معادلة لا تُحَل: حين يُطالب  الموظف بما لا تملكه الدولة

تعديل الراتب (اللعب بالأرقام) لا يحسن الراتب (رفع القدرة الشرائية او الحد من تدهور إضافي فيها) وفق ما هو متوفر من خيارات للدولة.

في الوقت الذي تصارع فيه أكبر المصارف المركزية في العالم الضغوطات التضخمية الناتجة عن صدمة عرض واحدة، من دون أفق واضح للنجاح في المعالجة رغم امتلاكها أدوات نقدية مستقلة وأسواقاً عميقة وثقة مؤسسية متراكمة، يطالب موظفو القطاع العام في لبنان بتعديل رواتبهم. المطلب بحد ذاته مشروع؛ القدرة الشرائية لهذه الفئة تآكلت إلى درجة لم تعد فيها الرواتب الحالية كافية لتغطية أبسط متطلبات المعيشة. لكن المشروعية شيء، والقابلية للتنفيذ شيء آخر تماماً. والفجوة بين الاثنين هنا ليست فجوة إرادة سياسية، بل فجوة إيرادات فعلية لا تملك الدولة اللبنانية أدوات ردمها في المدى المنظور.

> الدولة لا تملك ما تُوزّعه

أي تعديل في سلم الرواتب يفترض مسبقاً وجود إيراد يغطي كلفته، بشكل متكرر لا لمرة واحدة، لأن الراتب التزام دوري وليس صرفاً استثنائياً. والسؤال الذي يغيب عن نقاش هذا المطلب هو: من أين تأتي هذه الإيرادات؟ الإجابة، بالنظر إلى بنية الاقتصاد اللبناني الراهنة، لا تسر أحداً.

اقتصاد الظل، يستوعب اليوم جزءاً متعاظماً من النشاط الاقتصادي الفعلي في البلد، خارج أي رقابة ضريبية أو تسجيل رسمي. كل معاملة تتم خارج هذا الإطار هي إيراد ضريبي محتمل يتبخر قبل أن يصل إلى خزينة الدولة. وكلما اتسعت رقعة هذا الاقتصاد الموازي، ضاقت القاعدة الضريبية الفعلية التي يمكن للدولة أن تبني عليها أي حساب جدي للإيرادات.

الوضع الأمني، الغير مستقر لا يكلّف الدولة إنفاقاً إضافياً على الحماية والانتشار فحسب، بل يطرد الاستثمار والنشاط الاقتصادي المُنتِج الذي كان يمكن أن يشكّل مصدر إيراد بديلاً. المستثمر لا يضع رأسماله في بيئة لا يستطيع فيها تسعير المخاطرة بثقة، والنتيجة تعطّل مزدوج: كلفة أمنية مباشرة، وفرصة ضائعة غير مُحتسبة.

الانكماش الاقتصادي الحاد، يعني، بأبسط تعريف، أن حجم الكعكة الاقتصادية التي تُفرض عليها الضرائب أصغر بكثير مما كانت عليه. حتى لو بقيت المعدلات الضريبية على حالها، فإن حصيلتها تتقلّص تلقائياً مع تقلّص النشاط الذي تُفرض عليه. وهذا عامل بنيوي لا يُعالَج بقرار إداري أو بتعديل معدل ضريبي، بل يحتاج إلى نمو فعلي غائب عن المشهد حالياً.

تكاليف النزوح، تضيف عبئاً تشغيلياً مستمراً على البنية التحتية والخدمات العامة، من دون أن يقابلها تمويل خارجي كافٍ أو مستدام يغطي الفارق. وهذا عبء يُحمَّل على موازنة عامة عاجزة أصلاً عن تغطية التزاماتها القائمة، فضلاً عن التزامات جديدة.

هذه العوامل الأربعة، إلى جانب عوامل أخرى تتشابك معها، لا تصف عجزاً عابراً يمكن سده بقرار سياسي أو بجرعة تفاؤل. تصف بنية إيرادات منهارة بمعزل عن أي جدول رواتب.

حين يُموَّل المطلب بلا إيراد

المشكلة لا تتوقف عند "لا توجد إيرادات كافية". فحين تُقرّر الدولة مع ذلك المضي في تعديل الرواتب، لا يبقى أمامها سوى مسارين، وكلاهما يُبطل الهدف من الزيادة نفسها.

المسار الأول هو التمويل النقدي المباشر، أي طبع العملة لتغطية الفارق. وهذا يرفع كتلة النقد المتداولة دون أن يقابلها إنتاج فعلي، فيغذّي التضخم الذي أصلاً يأكل القدرة الشرائية التي جاءت الزيادة لتعويضها. النتيجة صافية: زيادة اسمية في الراتب، وتآكل موازٍ أو أكبر في قيمته الفعلية خلال أشهر قليلة.

المسار الثاني هو الاستدانة، وهو خيار شبه مغلق أمام دولة فقدت أصلاً قدرتها على الوصول إلى الأسواق الدولية بشروط معقولة، وتنوء تحت عبء ديون سابقة غير مُعالجة.

في الحالتين، الزيادة لا تحل المشكلة التي وُلدت لمعالجتها؛ هي تُعيد إنتاجها بصيغة مختلفة، وربما أكثر كلفة على المدى المتوسط.

> الفرق بين الاعتراف بالحق ورسم الطريق إليه

لا شيء في هذا التحليل ينكر أن الموظف اللبناني يستحق راتباً يواكب كلفة المعيشة الفعلية. لكن مطالبة تُبنى على افتراض وجود إيراد غير موجود، أو تتجاهل السؤال عن مصدره بالكامل، ليست مطالبة قابلة للتحقيق؛ هي تعبير عن أزمة مؤجَّلة الحل. والفارق بين الاثنين جوهري: الأولى تتطلب معالجة بنيوية لمصادر الإيراد نفسها - إصلاح ضريبي حقيقي، إعادة دمج اقتصاد الظل، استقرار أمني يستعيد الاستثمار، ونمو فعلي يوسّع القاعدة - قبل أن تصبح أي زيادة راتب مستدامة وذات قيمة حقيقية بدل أن تكون رقماً يتبخر مع أول موجة تضخم تالية.

المصارف المركزية الكبرى، رغم كل أدواتها، تجد صعوبة في معالجة صدمة عرض واحدة. لبنان يطلب من دولة بلا أدوات نقدية مستقلة، وبلا قاعدة ضريبية متماسكة، وبلا نمو، أن تحل معادلة أصعب بأدوات أقل. وهذا بالضبط سبب استحقاق هذا الملف لنقاش أعمق من عنوان "تعديل الرواتب".