في تقديري، يدخل زوج الجنيه الإسترليني/الدولار الأمريكي مرحلة شديدة الحساسية، لأن تحركاته لم تعد مرتبطة فقط بأداء الاقتصاد البريطاني، بل أصبحت رهينة بفارق السياسة النقدية بين بنك إنجلترا والاحتياطي الفيدرالي. وقد اكتسب الدولار دفعة جديدة بعد أن رفع الاحتياطي الفيدرالي سعر الفائدة بمقدار 25 نقطة أساس إلى نطاق 3.75%-4.00%، مع استمرار الإشارات إلى احتمال رفع إضافي خلال عام 2026. ومن وجهة نظري، فإن هذه التطورات تمثل عامل ضغط واضح على الجنيه، خصوصًا إذا حافظت الأسواق على قناعتها بأن الفائدة الأمريكية ستبقى مرتفعة لفترة أطول، وهو ما قد يجعل أي ارتداد صاعد لزوج GBP/USD عرضة لموجات بيع متجددة.
في المقابل، لا أرى أن الصورة بالنسبة للجنيه البريطاني سلبية بالكامل، لأن بنك إنجلترا يواجه مشكلة تضخم مختلفة قد تجبره على إبقاء سياسته النقدية أكثر تشددًا مما كان متوقعًا. فقد ارتفع التضخم البريطاني إلى 3.1% في أغسطس مقابل 2.9% في يوليو، بينما بقي التضخم الأساسي عند مستويات مرتفعة نسبيًا، وهو ما يضع البنك أمام معادلة صعبة بين احتواء التضخم وعدم زيادة الضغوط على الاقتصاد المحلي. ولذلك، أعتقد أن أهمية اجتماع بنك إنجلترا لا تكمن فقط في قرار الفائدة نفسه، إذ إن تثبيت الفائدة عند 3.75% قد يكون مسعّرًا إلى حد كبير، وإنما في نبرة البنك وتوقعاته لمسار التضخم والفائدة خلال الأشهر المقبلة.
ومن وجهة نظري، فإن السيناريو الأكثر أهمية للجنيه سيكون مرتبطًا بنتيجة التصويت داخل لجنة السياسة النقدية، وبمدى استعداد الأعضاء للتعامل مع ارتفاع التضخم باعتباره ظاهرة مؤقتة مرتبطة بالطاقة، أم خطرًا يمكن أن يمتد إلى التضخم المحلي. وتشير التوقعات إلى أن البنك قد يبقي الفائدة عند 3.75%، مع استمرار الانقسام الذي ظهر في الاجتماع السابق بين أعضاء يفضلون التثبيت وآخرين يميلون إلى رفع الفائدة. وفي تقديري، إذا جاءت رسالة بنك إنجلترا أكثر تشددًا، فقد يحصل الجنيه على دعم مؤقت، لأن الأسواق قد تبدأ في تسعير احتمال رفع الفائدة لاحقًا، لكنني لا أرى أن هذا الدعم سيكون كافيًا وحده لعكس اتجاه الدولار ما لم تتغير توقعات السياسة النقدية الأمريكية أيضًا.
العامل الذي أراه أكثر أهمية في المرحلة الحالية هو فارق توقعات الفائدة وليس فارق الفائدة الحالي فقط. فحتى إذا أبقى بنك إنجلترا على سعره دون تغيير، فإن استمرار الاحتياطي الفيدرالي في الإشارة إلى إمكانية رفع إضافي سيعزز جاذبية الدولار من منظور العائد. وقد أظهرت توقعات الفيدرالي الجديدة أن صانعي السياسة يتوقعون رفعًا إضافيًا خلال العام، مع بقاء تكاليف الاقتراض مرتفعة لفترة أطول مقارنة بما كانت تتوقعه الأسواق سابقًا. وبرأيي، هذه النقطة تحديدًا قد تكون العامل الأكثر تأثيرًا في حركة GBP/USD، لأن الأسواق المالية تتحرك استباقيًا بناءً على المسار المتوقع للفائدة، وليس على القرار الحالي فقط.
أما بالنسبة للتضخم البريطاني، فأرى أنه سلاح ذو حدين بالنسبة للجنيه. فمن ناحية، ارتفاع التضخم فوق هدف بنك إنجلترا البالغ 2% قد يقلل احتمالات خفض الفائدة ويزيد فرص بقاء السياسة النقدية مشددة، وهو عامل داعم للعملة. لكن من ناحية أخرى، تشير البيانات إلى أن جزءًا مهمًا من الارتفاع جاء من قطاع النقل والوقود، في وقت بقي فيه التضخم الأساسي أكثر استقرارًا، ما يعني أن البنك قد لا يتعامل مع الارتفاع باعتباره دليلًا كافيًا على تضخم داخلي مستدام. وفي تقديري، إذا اقتنع المستثمرون بأن التضخم البريطاني ناتج بدرجة كبيرة عن صدمة خارجية في الطاقة، فقد يكون تأثيره الإيجابي على الجنيه محدودًا.
وهنا أرى أن أداء الاقتصاد الأمريكي يمثل عنصرًا إضافيًا يميل لمصلحة الدولار. فقد جاءت مبيعات التجزئة الأمريكية في أغسطس قوية، وهو ما يعكس استمرار متانة الطلب الاستهلاكي، بالتزامن مع استمرار المخاوف بشأن التضخم. وهذه البيئة تمنح الفيدرالي مساحة أكبر للحفاظ على معدلات فائدة مرتفعة دون الحاجة إلى التحول سريعًا نحو التيسير النقدي. لذلك، أتوقع أن تظل البيانات الأمريكية القادمة، خصوصًا التضخم وسوق العمل والنشاط الاستهلاكي، محركًا رئيسيًا للزوج، وقد تكون أحيانًا أكثر أهمية من البيانات البريطانية نفسها.
وبالنظر إلى تحركات السعر، أرى أن منطقة 1.3400 تمثل مستوى نفسيًا وفنيًا مهمًا في المدى القصير، خصوصًا بعد تراجع الزوج إلى منطقة 1.3378 وفق المعطيات الحالية. وإذا استقرت التداولات دون هذا المستوى، فقد تتزايد الضغوط البيعية ويدخل الزوج في مرحلة إعادة تسعير أعمق، بينما قد يؤدي استرداده والثبات فوقه إلى تخفيف الضغوط وفتح المجال أمام ارتداد تصحيحي. ومن وجهة نظري، فإن التعامل مع 1.3400 باعتباره منطقة محورية أكثر دقة من اعتباره مجرد رقم منفرد، لأن قدرة الزوج على الاستقرار فوقه أو دونه ستعكس إلى حد كبير كيفية تقييم الأسواق لفارق السياسة النقدية بين البلدين.
في المحصلة، أرى أن الجنيه الإسترليني يواجه في الوقت الحالي معادلة معقدة: تضخم بريطاني مرتفع يمنح بنك إنجلترا سببًا للتشدد، في مقابل اقتصاد أمريكي متماسك وفيدرالي أصبح أكثر ميلًا إلى إبقاء الفائدة مرتفعة. لذلك، فإن توقعي يميل إلى استمرار التقلب والضغط على GBP/USD على المدى القصير، مع بقاء مستوى 1.3400 محورًا رئيسيًا لتقييم قوة المشترين والبائعين. لكنني لا أعتبر أي هبوط دون هذا المستوى تحولًا نهائيًا إلى اتجاه هابط طويل الأمد؛ فصدور لهجة أكثر تشددًا من بنك إنجلترا أو تراجع توقعات رفع الفائدة الأمريكية قد يعيد التوازن سريعًا. وفي رأيي، الحسم الحقيقي للزوج لن يأتي من قرار فائدة منفرد، بل من اتجاه الفارق المتوقع بين السياسة النقدية البريطانية والأمريكية، وهو العامل الذي سيحدد ما إذا كان الجنيه أمام موجة تصحيح أعمق أم أمام فرصة لاستعادة جزء من خسائره.