يستمر تراجع العقود الآجلة للنفط اليوم بقرابة 2% عبر كلا خامي غرب تكساس الوسيط وبرنت، لتتداول بالقرب من أدنى المستويات منذ قرابة أسبوعين.
يأتي استمرار انخفاض أسعار الخام وسط بيئة من توقف التصعيد في الشرق الأوسط، إلى جانب التفاؤل حول إمكانية استعادة صادرات المملكة العربية السعودية عبر البحر الأحمر خلال أيام، في ظل تصدير ملايين البراميل من الخام السعودي عبر مضيق هرمز.
نقلت صحيفة وول ستريت جورنال عن مصادر مطلعة على عمليات أرامكو السعودية أن إصلاح خط «شرق-غرب» واستعادة التدفقات عبره جزئياً قد يكون ممكناً خلال أيام. لكن حتى مع استمرار خروج الخط وميناء ينبع عن الخدمة، تتمكن المملكة من تصدير قرابة 2.4 مليون برميل يومياً من الخام والمكثفات عبر مضيق هرمز. تمكنت عدة ناقلات عملاقة بحمولة إجمالية تبلغ 24 مليون برميل من الخام السعودي من الخروج من مضيق هرمز منذ مهاجمة الأنبوب الحيوي، وفق بيانات كيبلر التي نقلتها رويترز وول ستريت جورنال. علاوة على ذلك، نرى سرديات يتناولها جمهور المحللين والخبراء تعبر عن التفاؤل حول إمكانية العودة إلى التفاوض بين الولايات المتحدة وإيران، خصوصاً مع إمكانية عقد اجتماع بين الرئيس دونالد ترامب ومسعود بزشكيان على هامش جلسة الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك. هذا السرد من شأنه أن يبث بعض التفاؤل بين المتداولين، مما قد يساهم في تغذية الاتجاه الهابط للأسعار.
لكن في جميع الأحوال، فإننا لا نزال عالقين في الحالة الرمادية المتمثلة في صيغة لا سلم ولا حرب. لا يزال واقع سوق الطاقة على الأرض مضطرباً إلى حد كبير وسط مخاطر مرتفعة لتجدد التصعيد. حيث إن تحويل المزيد من الصادرات باتجاه مضيق هرمز ينطوي على مخاطر تركز الأهداف أكثر ضمن المضيق، مما قد يرفع من تكلفة التصعيدات المقبلة. كما أن استهداف السفن في المضيق من قبل إيران لم يتوقف، حيث أبلغت هيئة العمليات البحرية البريطانية عن استهداف ناقلة بمقذوف يوم الاثنين.
من جانب آخر، فإن تزايد الاعتماد على الناقلات وأسلوب النقل من سفينة إلى سفينة لعبور المضيق من شأنه أن يزيد الضغوط على تكاليف الشحن المرتفعة أصلاً. في وقت سابق من هذا الشهر، تجاوزت تكلفة استئجار الناقلات العملاقة للعبور من داخل الخليج العربي ومضيق هرمز حاجز المليون دولار يومياً، بما ينعكس على شكل تكلفة تقدر بنحو 26 دولاراً لكل برميل، أي بنحو ربع تكلفة الحمولة، وذلك وفقاً لبيانات شركة ويندوارد التي نقلتها وول ستريت جورنال.
كما أن هذا التركز المتزايد للأهداف عالية القيمة من موانئ التصدير والناقلات العملاقة في المضيق وما يرافقه من مخاطر يتزامن مع غياب العلامات التي توحي بأن أياً من الولايات المتحدة أو إيران قد تقدم تنازلات بشأن أي من الملفات العالقة. هذا ما استمر كبار المسؤولين الإيرانيين في التأكيد عليه عبر سلسلة التصريحات الأخيرة، والتي كان أبرزها ما صرح به رئيس المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني محسن رضائي في مقابلة مع شبكة الجزيرة حين أكد على شروط بلاده للعودة إلى المفاوضات، وهي الإفراج عن الأموال الإيرانية المجمدة، وإنهاء الحرب على الجبهات كافة، ووقف الاعتداء، عدم التدخل في الشؤون الداخلية الإيرانية، إضافة إلى رفع الحصار البحري.
لا أعتقد أن ترامب قد يميل لتقديم أي تنازل لإيران مباشرة قبل انتخابات التجديد النصفي المصيرية له ولحزبه. حتى إن شهدنا أي خطوة توحي بعكس ذلك، فلا أعتقد أنها ستؤخذ على محمل الجد ولن تهدف سوى إلى افتعال انخفاض مصطنع في أسعار الطاقة، كما حدث تماماً عند توقيع مذكرة التفاهم المنسية في يونيو الفائت. بدلاً من ذلك، فإن الإدارة الأمريكية قد تستعد لتصعيد عملها العسكري ضد إيران، حيث أعلنت القيادة المركزية للجيش الإيراني أن لديهم معلومات تفيد بأن الولايات المتحدة تستعد لهجوم ضد البلاد.
في حين قد يلجأ ترامب إلى تأجيل أي عمل عسكري ضخم في عمق الأراضي الإيرانية إلى ما بعد الانتخابات، تفادياً لزيادة التكلفة السياسية للحرب عبر استمرار ارتفاع أسعار الطاقة المرتفعة للغاية. يبلغ المتوسط الوطني لغالون الديزل اليوم 6.5276 دولاراً وهو ما يمثل رقماً قياسياً جديداً، كما ارتفع سعر غالون البنزين إلى 4.4750 دولاراً، مستمراً في الاقتراب من القمة القياسية المسجلة عام 2022 عند 5.0165 دولاراً، وفق أرقام جمعية السيارات الأمريكية (AAA).
عليه، أعتقد أن السيناريوهات المرجحة خلال الأسابيع المقبلة هي استمرار سيادة الحالة الراهنة الرمادية، والتي تنعكس في النهاية عبر مسارات عرضية واسعة للغاية لأسعار الخام تتمثل بارتفاعات شديدة تتلوها انخفاضات شديدة أيضاً. إلا أن هذه الفرضية قد تبقى تحت تهديد خروج الصراع عن السيطرة على نحو غير مسيطر عليه، متمثلاً في إمكانية تحول هجمات محدودة ضد إيران إلى ضربات متبادلة على منشآت إنتاج النفط وتصديره ومشتقاته عبر مختلف جبهات الإقليم. هذا ما حدث في جولة التصعيد الأخيرة مع الحوثيين في اليمن، لكن لحسن الحظ فقد يتمكن السوق من التعافي من هذه الانتكاسة في وقت قريب في حال لم يعد التصعيد مجدداً. كما أن هذه الفرضية قد تتبدد تماماً في الفترة التالية للانتخابات في الولايات المتحدة وإسرائيل، ومن غير المستبعد أن نشهد عودة للحرب الإقليمية الشاملة. حيث إن خسارة الحزب الجمهوري المرتفعة قد تدفع ترامب للانتقام على نحو شديد من إيران، وهذا ما ينطوي على تصعيد غير محسوب العواقب.
ما لم نشهد عودة جدية للمفاوضات بين إيران والولايات المتحدة تنطوي على تقديم تنازلات متبادلة، فإن آفاق التصعيد قد تبقى مرتفعة للغاية، بما قد يبقي أسعار الخام مرتفعة لفترة مطولة.