تخطي إلى المحتوى
اقتصاد لبنان والعالم العربي والعالم
تحليل

مستقبل الفضة غلى مفترق طرق وتشدد الفيدرالي يواجه اختبار بيانات الوظائف

مستقبل الفضة غلى مفترق طرق وتشدد الفيدرالي يواجه اختبار بيانات الوظائف

تواجه أسعار الفضة (XAG/USD) مرحلة مفصلية في مسار تداولاتها، في ظل تصاعد الضغوط الناتجة عن التحولات في توقعات السياسة النقدية الأمريكية، مع استمرار رهانات الأسواق على اتجاه مجلس الاحتياطي الفيدرالي نحو مزيد من التشديد النقدي خلال الفترة المقبلة. ويأتي تداول المعدن الأبيض بالقرب من مستوى 60.70 دولارًا للأوقية، عقب موجة من الخسائر التي أعادت الضغوط البيعية إلى الواجهة، لتضع الأسعار أمام اختبار مهم لمدى قدرتها على التماسك واستعادة الزخم الصعودي.

ومن وجهة نظري، فإن التراجع الحالي لا يرتبط فقط بعمليات جني الأرباح، بل يعكس بالدرجة الأولى إعادة تسعير المستثمرين لمسار أسعار الفائدة الأمريكية، وهو ما يجعل تحركات الفضة خلال المرحلة المقبلة أكثر ارتباطًا بالبيانات الاقتصادية وتوجهات الفيدرالي، مقارنة بالعوامل التقليدية الداعمة للمعادن الثمينة.

وتتمثل أبرز التحديات التي تواجه أسعار الفضة حاليًا في تنامي التوقعات باستمرار السياسة النقدية المتشددة، خصوصًا مع ارتفاع عوائد سندات الخزانة الأمريكية وتعزز جاذبية الدولار، وهي عوامل تضغط بصورة مباشرة على الأصول التي لا تدر عائدًا دوريًا، وفي مقدمتها الذهب والفضة. فكلما ارتفعت تكلفة الاحتفاظ بهذه الأصول، تراجعت نسبيًا جاذبيتها أمام أدوات الدخل الثابت، الأمر الذي قد يدفع شريحة من المستثمرين إلى إعادة توزيع محافظهم الاستثمارية.

وفي هذا السياق، فإن تسعير الأسواق لاحتمال يقارب 70% لرفع الفائدة الأمريكية خلال اجتماع أكتوبر يعكس تحولًا واضحًا في توقعات السياسة النقدية، ويزيد من حساسية الفضة لأي تصريحات أو بيانات قد تعزز هذا السيناريو أو تقلل من احتمالاته. وأرى أن استمرار هذه التوقعات سيبقي المعدن الأبيض تحت ضغط، ما لم تظهر مؤشرات اقتصادية قادرة على تغيير مسار العوائد والدولار.

وتكتسب بيانات فرص العمل المتاحة في الولايات المتحدة، المعروفة بتقرير JOLTS، أهمية استثنائية في تحديد الاتجاه قصير الأجل لأسعار الفضة، باعتبارها أحد المؤشرات التي يستند إليها الاحتياطي الفيدرالي في تقييم متانة سوق العمل ومدى قدرة الاقتصاد على تحمل المزيد من التشديد النقدي. وتشير التوقعات الواردة في البيانات المتاحة إلى تسجيل نحو 7.23 مليون فرصة عمل في أغسطس، مقارنة بنحو 7.271 مليون في يوليو، وهو ما يجعل الفارق بين القراءة الفعلية والتوقعات عاملًا مؤثرًا في إعادة تشكيل توقعات المستثمرين.

ومن وجهة نظري، فإن صدور قراءة أعلى من التوقعات قد يعزز الاعتقاد بأن سوق العمل لا يزال متماسكًا، بما يمنح الفيدرالي مساحة أكبر لمواصلة رفع الفائدة، وهو سيناريو قد يضغط على الفضة ويدفعها إلى اختبار مستويات دعم أدنى. في المقابل، فإن تراجع فرص العمل بوتيرة أكبر من المتوقع قد يعيد طرح احتمالات تباطؤ التشديد النقدي، ويفتح المجال أمام تحسن نسبي في شهية المستثمرين تجاه المعادن الثمينة.

ولا يمكن فصل توقعات أسعار الفضة عن أداء الدولار الأمريكي وعوائد سندات الخزانة، إذ يشكل التفاعل بين هذه المتغيرات أحد المحركات الرئيسية لاتجاه المعدن الأبيض. فارتفاع الدولار يجعل الفضة المقومة به أكثر تكلفة بالنسبة للمشترين من حائزي العملات الأخرى، بينما يؤدي صعود العوائد إلى زيادة تكلفة الفرصة البديلة للاحتفاظ بالمعدن. وقد أظهرت تحركات الأسواق الأخيرة تزامن الضغوط على الفضة مع قوة الدولار وارتفاع عوائد السندات، في انعكاس مباشر لتزايد المخاوف المرتبطة باستمرار التضخم واحتمالات تشديد السياسة النقدية. وأعتقد أن مراقبة هذه المؤشرات ستكون ضرورية لتقييم مدى استدامة التراجع الحالي، إذ إن أي انخفاض ملموس في عوائد السندات أو تحول في اتجاه الدولار قد يخفف الضغوط البيعية، حتى في حال عدم حدوث تغيير فوري في سعر الفائدة.

وعلى الصعيد الجيوسياسي، تظل تطورات العلاقات بين الولايات المتحدة وإيران أحد العوامل التي قد تضيف مزيدًا من التقلبات إلى أسواق المعادن والطاقة، خصوصًا في ظل استمرار المساعي الدبلوماسية عبر الوسطاء القطريين. ورغم أن تحسن فرص التوصل إلى تفاهمات قد يخفف المخاوف المتعلقة بإمدادات الطاقة ويحد من الضغوط التضخمية، فإن تعثر المفاوضات قد يدفع أسعار النفط إلى الارتفاع، بما يعزز مخاطر استمرار التضخم ويزيد احتمالات بقاء السياسة النقدية الأمريكية متشددة.

ومن وجهة نظري، فإن تأثير التطورات الجيوسياسية على الفضة يظل مزدوجًا؛ فمن جهة، قد يؤدي تصاعد التوترات إلى تعزيز الطلب على الملاذات الآمنة، ومن جهة أخرى، قد تؤدي زيادة أسعار الطاقة إلى ترسيخ توقعات رفع الفائدة، وهو ما قد يحد من مكاسب المعدن الأبيض. لذلك، فإن اتجاه الفضة لن يتحدد بالضرورة من خلال مستوى المخاطر الجيوسياسية وحده، بل من خلال كيفية انعكاس تلك المخاطر على الدولار والتضخم وتوقعات الفائدة.

وفي المقابل، لا ينبغي أن تحجب الضغوط النقدية الحالية العوامل الأساسية التي تدعم الطلب على الفضة على المدى المتوسط والطويل، خصوصًا الاستخدامات الصناعية المتنامية للمعدن في قطاعات الإلكترونيات والطاقة الشمسية والتطبيقات الكهربائية. فالفضة تتمتع بخصائص عالية في التوصيل الكهربائي، ما يمنحها أهمية استراتيجية في العديد من الصناعات، ويجعل الطلب عليها مرتبطًا ليس فقط بالاستثمارات في المعادن الثمينة، بل أيضًا بمستويات النشاط الصناعي العالمي، ولا سيما في الاقتصادات الكبرى مثل الولايات المتحدة والصين والهند. وأرى أن هذه العوامل قد توفر قاعدة دعم أساسية للأسعار، لكنها لا تعني بالضرورة قدرة الفضة على مقاومة موجات التصحيح قصيرة الأجل، خاصة إذا تزامن تباطؤ النشاط الاقتصادي مع ارتفاع أسعار الفائدة وقوة الدولار. ومن ثم، فإن تقييم التوقعات المستقبلية للفضة يتطلب الجمع بين مؤشرات الطلب الاستثماري والطلب الصناعي، إلى جانب متابعة تطورات المعروض والإنتاج وإعادة التدوير.

أما على مستوى التوقعات السعرية، فأرى أن بقاء زوج XAG/USD دون مستوى 61 دولارًا يضع السوق أمام مرحلة حساسة، حيث ستظل قدرة الأسعار على استعادة هذا المستوى مؤشرًا مهمًا على تحسن الزخم الشرائي، في حين أن استمرار التداول دونه قد يبقي احتمالات امتداد التصحيح قائمة. ويبرز مستوى 60 دولارًا بوصفه منطقة نفسية مهمة تستحق المتابعة، إذ إن كسرها بصورة واضحة قد يزيد الضغوط البيعية ويدفع المستثمرين إلى إعادة تقييم مراكزهم، بينما قد يؤدي التماسك حولها إلى ظهور محاولات ارتداد فني، خصوصًا إذا جاءت البيانات الأمريكية أضعف من التوقعات.

وفي المقابل، فإن عودة الأسعار إلى ما فوق 61 دولارًا لا تكفي وحدها لتأكيد انعكاس الاتجاه، ما لم تترافق مع تحسن أوسع في أداء الدولار والعوائد وعودة الطلب الاستثماري. ولذلك، أرى أن التعامل مع مستويات الأسعار ينبغي أن يستند إلى تأكيدات السوق وتطورات العوامل الأساسية، بدلًا من افتراض أن أي ارتداد مؤقت يمثل بداية موجة صعود مستدامة.

وبالنظر إلى مجمل المعطيات، فإن السيناريو الأقرب لحركة الفضة على المدى القصير سيظل مرهونًا بنتائج البيانات الاقتصادية الأمريكية ومدى انعكاسها على توقعات اجتماع الاحتياطي الفيدرالي في أكتوبر. فإذا جاءت بيانات سوق العمل والتضخم قوية، فقد تتعزز رهانات التشديد النقدي، بما يدعم الدولار وعوائد السندات ويزيد من احتمالات تعرض الفضة لمزيد من الضغوط. أما إذا كشفت البيانات عن تراجع واضح في زخم الاقتصاد الأمريكي، فقد تتغير توقعات المستثمرين بشأن مسار الفائدة، وهو ما قد يمنح المعدن الأبيض فرصة لاستعادة جزء من خسائره.

وفي تقديري، فإن المرحلة الحالية تمثل اختبارًا حقيقيًا لتوازن العوامل النقدية والصناعية والاستثمارية المؤثرة في أسعار الفضة، مع بقاء احتمالات التقلب المرتفع قائمة في كلا الاتجاهين. وعليه، فإن تأكيد المسار القادم سيتطلب متابعة متكاملة لبيانات الوظائف والتضخم، وتحركات الدولار وعوائد السندات، إلى جانب التطورات الجيوسياسية، باعتبارها عناصر مترابطة ستحدد قدرة الفضة على استعادة مستوياتها السابقة أو مواصلة التصحيح خلال الفترة المقبلة.

اجعل مجلة 24 مصدرك المفضّل على Google