تُشرَّح الحقوق بسكّين الطبقة السياسية، وتُترك تحت رحمة حساباتها ومكاسبها. أمّا تصنيف الودائع بين ما دون المئة ألف دولار وما فوقها، فيصبح انتقاصاً فاضحاً من الحقوق حين يتحوّل من معيارٍ لترتيب أولويات السداد إلى ذريعةٍ لشطب جزءٍ من الوديعة. فحماية صغار المودعين واجب، وحماية حقوق سائر المودعين واجب أيضاً؛ وحجم الوديعة لا يُسقط حقّ صاحبها.
الشريحة فوق 100 ألف دولار. يجري الحديث عن سدادها بسندات يصدرها مصرف لبنان. وقيمة السند الاقتصادية تحددها أربعة عناصر:
• الفائدة: سند بفائدة منتظمة يختلف جذرياً عن سند بلا فائدة.
• القابلية للتداول: السند الذي يُباع في سوق ثانوية له سعر معلن، والذي لا يُباع ينتظر استحقاقه.
• الاستحقاق: كلما طال، انخفضت قيمته الحالية.
• مصدر السداد: المُصدِر هو مصرف لبنان نفسه، وقدرته على الدفع تتوقف على ما سيُسترد من موجوداته. فمن دون مصدر وفاء معلن، يبقى السند وعداً بلا غطاء.
لذلك فسند غير متداول، بلا فائدة، وبلا مصدر سداد معلن، قد يساوي اقتصادياً جزءاً صغيراً من قيمته الاسمية، حتى لو بقي الحق القانوني كاملاً على الورق. وهذه التفاصيل كلها أسئلة مفتوحة تتوقف على النص النهائي للقانون.
لا يمكن تقييم أي وديعة قديمة دون الاتفاق على نقطة أساس واضحة. فالوديعة التي كانت قائمة في تشرين الأول 2019 مرّت منذ ذلك التاريخ بتحولات متعددة: سحوبات جزئية بأسعار مختلفة، وتحويلات بين العملات، وتحويل جزء منها إلى الليرة على أسعار متفاوتة، وربما تسويات خاصة. فالرصيد الحالي وحده لا يكفي لمعرفة حق المودع، بل يلزم معرفة تاريخ الحركة.
والأسئلة التي يجب أن يجيب عنها أي إطار شفاف هنا:
• ما الرصيد المعتمد: رصيد تشرين الأول 2019 أم الرصيد الحالي؟
• كيف تُعالَج السحوبات التي جرت بأسعار أدنى من القيمة الاسمية؟
• هل تُحتسب هذه السحوبات استيفاءً جزئياً للحق أم تبقى خارج الحساب؟
• ما المعيار المعتمد لإثبات مصدر الوديعة حين يُشكَّك فيه؟
بدون إجابات معلنة عن هذه الأسئلة، سيُقيَّم المودعون بمعايير متفاوتة في المصرف الواحد.
سابعاً: الخطر الأكبر: الحسم المستتر
إذا جرى اعتماد القيمة الاقتصادية بدل القانونية دون نصّ صريح، يصبح "التقييم" أداة لتخفيض الحق من دون قرار تشريعي معلن. وهذا يمسّ مبدأين أساسيين:
• حماية الملكية الخاصة، المكرّسة في الدستور، وهي لا تُنتقص إلا بنصّ قانوني وبشروط معروفة.
• شفافية تحميل الخسائر: فالمجتمع من حقّه أن يعرف من تحمّل كم، وبأي معيار، وبقرار من.
لذلك ينبغي الفصل بوضوح بين ثلاث عمليات:
1. تسجيل الحق القانوني كما هو، دون تعديل.
2. تقدير القيمة الاقتصادية لقابلية الاسترداد، لأغراض تحديد وضع المصرف.
3. أي تعديل فعلي للحق، ولا يجوز أن يصدر إلا بنصّ صريح وعلى أساس معايير منشورة.
الخلط بين الثانية والثالثة هو الطريق الأقصر إلى نزاع قانوني طويل، وإلى فقدان الثقة التي لا يقوم أي إصلاح من دونها.
ما الذي يحق للمودع أن يسأل عنه؟
توعية المودع لا تعني دفعه إلى التشاؤم أو التفاؤل، بل تزويده بأسئلة دقيقة يوجّهها إلى من يتحدث باسم التقييم الشفاف:
1. من يقيّم الموجودات في مصرفي، وبأي معايير، وهل ستُنشر منهجية التقييم؟
2. ما القيمة المعتمدة لتوظيفات مصرفي لدى مصرف لبنان، وعلى أي أساس؟
3. أين تقع وديعتي في تسلسل الأولويات، وما الشريحة التي تنتمي إليها؟
4. بأي أداة سأتقاضى حقي: نقداً أم أسهماً أم أدوات دين، وما قيمة كل منها اقتصادياً؟
5. ما نقطة الأساس المعتمدة لحساب رصيدي، وكيف تُعامَل سحوباتي وتحويلاتي منذ 2019؟
6. ما اختبار "عدم الوقوع في وضع أسوأ من التصفية"، وكيف سيُحتسب بالنسبة لي؟
من لا يستطيع أن يجيب عن هذه الأسئلة، لا يملك بعد تقييماً شفافاً مهما كثُر الحديث عنه









