ظلّ الذهب سنوات طويلة "الملاذ الآمن" في أذهان الناس: حين تهتز الأسواق ويخاف الناس، يرتفع الذهب. لكن ما جرى هذا العام يستدعي مراجعة هذه القناعة قبل أن تُدفع مدخرات حقيقية ثمناً لها.
ماذا حدث؟
في أواخر كانون الثاني هبط الذهب من قرابة 5,600 دولار للأونصة إلى أقل من 4,500 خلال أيام، وخسرت الفضة 31.4% في يوم واحد. ومن اشترى قرب القمة وجد نفسه أمام خسارة كبيرة في وقت قصير. وهو اليوم قرب 4,150 دولاراً للأونصة الواحدة، وقد سجّل قبل أيام أطول سلسلة خسائر أسبوعية منذ أكثر من ثلاثين عاماً.
والمفارقة أن بعض هذه الهبوطات جاء حين كانت الأسهم نفسها تهبط. ففي حزيران، من هذه السنة 2026، تراجع الذهب نحو 2% في يوم واحد، مع تسييل مستثمرين مراكزهم لتغطية خسائر في أصول أخرى بعد هبوط أسهم الذكاء الاصطناعي، وايضاً لجني أرباح.
لماذا يُباع الذهب حين تهبط الأسهم؟
المستثمر الذي تهبط أسهمه ويُطلب منه تغطية خسارته لا يبيع ما يريد بيعه، بل ما يستطيع بيعه بسرعة. والذهب من أسهل الأصول بيعاً، وهذه الميزة نفسها تجعله أول ما يُباع وقت الضغط. وبحسب خبراء استراتيجيين نقلت عنهم Bloomberg، رجّح أن نداءات الهامش وجني الأرباح وصناديق التداول الآلي ضخّمت هبوط الذهب.
ثلاثة وجوه للذهب اليوم
اولاً :أصل للمضاربة. تقلباته الحادة هذا العام تشبه سلوك أصل تحرّكه الرافعة المالية والمراكز السريعة، لا سلوك مخزن قيمة هادئ.
ثانياً :احتياط للدول. تجميد احتياطيات روسيا بالعملات الأجنبية (من دولار الى يورو الى استرليني) عام 2022 دفع مصارفاً مركزية إلى تفضيل أصل لا يقابله التزام على طرف آخر. وفي استطلاع مجلس الذهب العالمي لعام 2026 توقع 45% من المشاركين زيادة حيازاتهم خلال الأشهر الاثني عشر المقبلة. وهو أقل عرضة للعقوبات من الأصول المالية، لكنه ليس خارج الرقابة بالكامل، فبيعه ونقله عبر الأسواق المعتمدة يمرّ بإجراءات الامتثال وتتبّع المصدر.
ثالثاً :أداة سيولة. يسهل بيعه في معظم الأسواق، وهذا ما يجعله مفيداً للدول والمؤسسات الكبيرة، وهشاً أمام موجات البيع السريع.
الذهب لم يعد "ملاذاً" بالمعنى الذي يتخيله المواطن، أي أنه يرتفع كلما اشتد الخوف. قد يرتفع في يوم ذعر ويهبط في آخر، ومشتريات المصارف المركزية لا تحمي مدخرات الأفراد من تقلبات السعر.
أسئلة يطرحها المواطن على نفسه قبل الشراء
- هل أشتري لأن السعر يرتفع؟ الشراء خلف الصعود السريع هو أخطر أوقات الدخول. ومن اشترى في القمة عانى من الهبوط اللاحق.
- هل أحتاج هذا المال خلال سنة أو سنتين؟ إن كان الجواب نعم، فلا يصلح لهذا المال أصل قد يخسر ربعه في أسابيع.
- كم تبلغ حصة الذهب من مجمل مدخراتي؟ التنويع يعني ألا يتركز المال في أصل واحد، مهما بدا آمناً.
- هل أشتري ذهباً فعلياً أم عقوداً مموّلة بالدين؟ الشراء بالرافعة المالية هو ما يحوّل التقلب إلى خسارة قد تتجاوز رأس المال.
- ما كلفة البيع؟ الفرق بين سعر الشراء وسعر البيع، وأجور الصياغة إن كان مجوهرات، قد يلتهم جزءاً كبيراً من أي ربح.
الذهب ليس عدواً ولا ضماناً. هو أصل له أدوار متعددة، وأكبر الأخطاء تأتي من ربطه بصورة قديمة: أنه آمن دائماً، وأنه يرتفع حين تهبط الأسواق. من يفهم أنه سلعة متقلبة تُشترى وتُباع لأسباب كثيرة، يقلّل احتمال أن يكون الضحية التالية.
>>> تنبيه للمواطن اللبناني: فقدان الثقة بالقطاع المصرفي، وهو المكان الطبيعي لحفظ المدخرات، أمر مفهوم. لكنه لا يجعل الذهب بديلاً آمناً عن المصرف. فالذهب الذي تحتفظ به في المنزل يعرّضك لخطر السرقة والضياع، ولا يغطيه تأمين في الغالب، وسعره يتقلب بنسب كبيرة كما رأينا هذا العام، ومنصات الذهب الإلكترونية والوسطاء غير المعروفين باب مفتوح للاحتيال. لذلك لا تنقل كل مدخراتك إلى الذهب خوفاً من المصارف، وزِن مخاطر كل خيار قبل أن تحرّك أي مبلغ. هذا النص تثقيفي وتوعوي وليس نصيحة استثمارية، وقرارات الادخار تعتمد على ظروف كل شخص وكل مؤسسة.









