في كل قانون يوزّع الخسائر، سؤال لا تجيب عنه الأرقام وحدها: من يستطيع أن ينتظر؟
مشروع قانون الفجوة المالية، وفق الصيغة الحالية المسربة للإعلام، يضع المودعين في سلّمين. فبحسب ما أُعلن، من تقل وديعته عن مئة ألف دولار يسترد مبلغه خلال أربع سنوات كحد أقصى، وهم نحو خمسة وثمانين في المئة من المودعين. أما من يتجاوز هذا السقف، فيحصل على مئة ألف دولار نقداً، ويُحوَّل الباقي إلى شهادات مالية يصدرها مصرف لبنان. وقد جرى التوافق على مبدأ ألا يقل التسديد الشهري عن 1500 دولار.
هذا منطق حسابي مفهوم. لكنه يتجاهل أن الوقت لا يمرّ على الناس بالطريقة نفسها. أربع سنوات في حياة شاب تعني تأخيراً في مشروع. وفي حياة من تجاوز الخامسة والستين قد تعني دواءً لا يُشترى، أو عملية تُؤجَّل، أو بيتاً لا يُرمَّم، أو رحيلاً قبل أن تصل الوديعة إلى صاحبها. من هنا تأتي الحاجة إلى المعالجة الإنسانية، وهي ليست كرماً زائداً بل شرط للعدالة.
الحلّ الإنساني ليس إعفاءً من الخسارة، بل أولوية في التوقيت والسيولة. الأولوية هنا لمن لا يملك ترف الانتظار أربع سنوات أو أكثر، ولا يقبل قانونٌ عادل أن يتساوى في التضرر من الانتظار من عمره 30 عاماً ومن عمره 80.
الفئات المستحقة
- الفئة العمرية: كل مودع بلغ ٦٥ سنة فما فوق عند تاريخ نفاذ القانون.
- الفئة الصحية: من لديه مرض مزمن أو خطير أو إعاقة بتقرير طبي موثّق. ويمكن اعتماد لجنة طبية معتمدة، أو الاكتفاء بتقرير من مستشفى معتمد مصدّق من وزارة الصحة.
- الفئة المعيشية: حالات موثقة مثل فقدان المعيل، أو التقاعد من دون معاش كافٍ، أو إعالة شخص مريض أو معوّق.
الحلول المقترحة
اولا :تسريع الاستحقاق. يُسدَّد لهذه الفئات في سنتين بدل أربع للودائع تحت السقف. وتكون الدفعة الأولى أكبر ولو بحد أقصى معين.
ثانياً :حد أدنى شهري أعلى. رفع الحد الأدنى للدفعة الشهرية للفئات المستحقة فوق الـ 1500 دولار، مع ربطه بحجم الوديعة والكلفة المعيشية.
ثالثاً :الدفع المباشر للحاجات الأساسية. تتيح هذه الآلية صرف جزء من الوديعة مباشرة لتغطية:
- الاستشفاء والدواء والعمليات الجراحية.
- الإيجار أو إعادة تأهيل المسكن.
- الرسوم الجامعية للأبناء المعالَين.
ومن الممكن أن يكون الدفع للمستشفى أو الجهة المزوِّدة.
رابعاً :سيولة للشهادات المالية لمن تتجاوز وديعته السقف. تُتاح لهذه الفئات:
- إمكانية استرداد جزء من الشهادات مبكراً بلا خصم.
- قبولها لتسديد الضرائب والرسوم المتوجبة
- قابلية انتقالها للورثة من دون تفكيك أو تأخير إداري.
خامساً :الأولوية في الطابور. تُنشأ قائمة دفع أولى لهذه الفئات داخل كل مصرف بإشراف من مصرف لبنان، ويُنشر الترتيب بشفافية.
سادساً :حماية الوديعة عند الوفاة. تُنقل الحقوق كاملة للورثة بلا فقدان جزء منها بسبب انتهاء الأجل أو إجراءات الحصر.
ضوابط منع الإساءة:
- حساب واحد مؤهَّل لكل شخص على مستوى القطاع المصرفي وليس المصرف/الحساب الواحد، وبعد إصدار التعميم 174 أصبح ذلك ممكناً.
- سقف أعلى للمبلغ المستفيد من الأولوية، حتى لا تتحول الميزة إلى امتياز للكبار.
- تدقيق في المستندات ويكون الدفع مباشرة للمدرسة، الحامعة، المستشفى، إلخ.
- مراجعة دورية من قبل فرع المصرف، وهو الأقرب للمودع، للحالات المعيشية والصحية.
كيف تُموَّل هذه الأولوية؟
الكلفة الفعلية هي كلفة سيولة لا كلفة خسارة، أي ما يلزم لتقديم الدفعات لا لتغيير حصص الخسارة. ويمكن تغطيتها من ما يستردّه مصرف لبنان من أصول وأرباح، او جزء مخصص من أرباح المصارف السليمة، وأيضاً صندوق إنساني صغير تموّله الدولة أو الجهات المانحة.
سوف يكون هناك إعتراض على هذا الطرح. الاعتراض المتوقع هو مبدأ المساواة بين المودعين. وجوابي على ذلك هو أن المعاملة المختلفة للحالات المختلفة جوهر المساواة الحقيقية، وأن الأولوية الزمنية لا تمس مجموع الخسارة.









