قبل أيام من انتخابات التجديد النصفي للكونغرس الأميركي، المقررة في الثالث من نوفمبر (تشرين الثاني) تجد الولايات المتحدة نفسها أمام استحقاق سياسي يتجاوز مجرد إعادة توزيع المقاعد بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي. فالانتخابات المقبلة تشكل اختباراً حقيقياً للرئيس دونالد ترامب، ليس فقط لقياس شعبيته بعد عامين من عودته إلى البيت الأبيض، بل لتحديد قدرته على مواصلة تنفيذ أجندته الداخلية والخارجية خلال النصف الثاني من ولايته الرئاسية.
تاريخياً، نادراً ما كانت انتخابات التجديد النصفي مناسبة للاحتفال بالنسبة إلى الحزب الذي يسيطر على البيت الأبيض. ففي عام 1994، تلقى الرئيس الديمقراطي بيل كلينتون ضربة قاسية عندما فقد حزبه السيطرة على مجلس النواب، وتكرر المشهد بصورة أكثر حدة مع باراك أوباما عام 2010. وتشير التجارب الانتخابية الممتدة لعقود إلى أن حزب الرئيس يخسر في المتوسط نحو 28 مقعداً في مجلس النواب وأربعة مقاعد في مجلس الشيوخ.
غير أن انتخابات 2026 تختلف عن سابقاتها، إذ تجري وسط استقطاب سياسي حاد، وتحولات اقتصادية واجتماعية عميقة، وحرب مع إيران ألقت بظلالها على الداخل الأميركي، فضلاً عن صراع غير مسبوق حول إعادة رسم الدوائر الانتخابية.
مجلس النواب في مهب الريح
يدخل الجمهوريون الانتخابات وهم يتمتعون بأغلبية ضيقة في مجلس النواب، ما يجعل خسارة عدد محدود من المقاعد كافية لتغيير ميزان القوى لمصلحة الديمقراطيين.
ووفقاً لتقديرات انتخابية أوردها تقرير «كوك بوليتيكال ريبورت» في سبتمبر 2026، فإن المنافسة تتركز في 21 دائرة متأرجحة، يشغل الجمهوريون 16 منها. وهذا يعني أن الديمقراطيين لا يحتاجون إلى موجة انتخابية كاسحة بقدر ما يحتاجون إلى استثمار حالة الاستياء لدى الناخبين المستقلين وبعض الجمهوريين المعتدلين.
لكن المعركة لا تُخاض في صناديق الاقتراع وحدها، بل بدأت قبل ذلك على خرائط الدوائر الانتخابية.
فقد فتحت محاولات إعادة ترسيم الدوائر، خصوصاً في تكساس وكاليفورنيا وفلوريدا، مواجهة سياسية وقانونية حول حدود استخدام السلطة لإعادة تشكيل الخريطة الانتخابية بما يخدم مصالح الحزب الحاكم.
والمفارقة هنا أن الولايات المتحدة، التي تقدم نفسها نموذجاً للديمقراطية التمثيلية، تواجه سؤالاً جوهرياً: هل يختار الناخبون ممثليهم، أم بات السياسيون قادرين على اختيار الناخبين من خلال رسم الدوائر؟
أما مجلس الشيوخ، فتبدو المعادلة أكثر تعقيداً. فالديمقراطيون بحاجة إلى انتزاع أربعة مقاعد إضافية، مع الاحتفاظ بمقاعدهم الحالية، للوصول إلى الأغلبية. وتبرز ولايات مثل نورث كارولينا وماين وأوهايو وجورجيا وتكساس بوصفها ساحات حاسمة، لكن البنية الانتخابية للمجلس تمنح الجمهوريين هامشاً أفضل للدفاع عن سيطرتهم.
الاقتصاد: نقطة ضعف ترامب الجديدة؟
لطالما شكل الاقتصاد إحدى أبرز نقاط القوة السياسية لترامب، الذي بنى جزءاً كبيراً من خطابه على وعود خفض الأسعار، وحماية الوظائف الأميركية، وإعادة الصناعات إلى الداخل.
إلا أن الواقع الاقتصادي الذي يواجه الناخب الأميركي اليوم أكثر تعقيداً.
فارتفاع أسعار الوقود، والضغوط التضخمية، وتداعيات السياسات الجمركية، كلها عوامل تضعف قدرة الإدارة على إقناع الأميركيين بأن أوضاعهم المعيشية تتحسن.
وقد ترتفع مؤشرات الأسواق المالية، لكن ذلك لا ينعكس بالضرورة على العائلات التي تواجه تكاليف متزايدة للسكن والغذاء والتأمين الصحي.
وفي السياسة الأميركية، لا يصوت المواطن عادة استناداً إلى أداء «وول ستريت» بقدر ما يصوت انطلاقاً من قدرته الشرائية وما يتبقى في حسابه المصرفي آخر الشهر.
ومن هنا، قد يجد ترامب نفسه أمام المفارقة نفسها التي واجهها الديمقراطيون في انتخابات 2024: أرقام اقتصادية يمكن الدفاع عنها سياسياً، لكنها لا تنجح في تغيير شعور الناخب بالضغط المالي.
الحرب مع إيران: من ورقة قوة إلى عبء انتخابي
لعل العامل الأكثر حساسية في هذه الانتخابات يتمثل في انعكاسات الحرب الأميركية مع إيران، التي بدأت في فبراير 2026، على الداخل الأميركي.
فترامب الذي قدم نفسه خلال حملاته الانتخابية باعتباره رئيساً قادراً على تجنب الحروب المكلفة، بات يواجه تساؤلات حول نتائج الانخراط العسكري الأميركي في الشرق الأوسط وتكاليفه الاقتصادية والاستراتيجية.
ولا تتعلق القضية بالموقف من إيران وحدها، بل بالسؤال الذي يطرحه الناخب الأميركي: لماذا تتحمل الأسر الأميركية تكاليف صراع خارجي فيما تواجه تحديات معيشية متزايدة؟
فالحروب لا تُقاس فقط بنتائجها العسكرية، وإنما أيضاً بقدرتها على استنزاف الرصيد السياسي للرؤساء.
ومن منظور الشرق الأوسط، تحمل هذه الانتخابات أهمية مضاعفة. إذ إن أي تحول في السيطرة على الكونغرس قد ينعكس على النقاشات المتعلقة بالتمويل العسكري، والعقوبات، والمساعدات الخارجية، وطبيعة العلاقة مع إسرائيل، والسياسة تجاه إيران ولبنان والمنطقة عموماً.
لكن الاعتقاد بأن فوز الديمقراطيين سيؤدي تلقائياً إلى انقلاب في السياسة الخارجية الأميركية سيكون مبالغاً فيه، لأن التوجهات الاستراتيجية الكبرى للولايات المتحدة تحكمها اعتبارات مؤسساتية وأمنية تتجاوز الانقسامات الحزبية.
الهجرة والديمقراطية: معركة الثقة
الهجرة، التي كانت إحدى أقوى الأوراق الانتخابية لترامب، تحولت بدورها إلى ملف أكثر تعقيداً.
فبينما لا يزال جزء واسع من قاعدته الجمهورية يؤيد تشديد الإجراءات الحدودية وترحيل المهاجرين غير النظاميين، أثارت بعض حملات إنفاذ قوانين الهجرة انتقادات تتعلق بتجاوز الصلاحيات والحقوق المدنية.
وهنا يظهر الفرق بين التأييد الشعبي لضبط الحدود وبين القبول المطلق بأساليب تنفيذ السياسات.
في المقابل، تتصاعد الخلافات بشأن نزاهة الانتخابات، والتصويت بالبريد، وصلاحيات الولايات في إدارة العمليات الانتخابية.
وتكشف هذه المواجهات عن أزمة أعمق تتعلق بمستوى الثقة بالمؤسسات الديمقراطية الأميركية، خصوصاً عندما يصبح التشكيك في النتائج جزءاً من الخطاب السياسي قبل فتح صناديق الاقتراع.
ما الذي ينتظر ترامب بعد نوفمبر؟
إذا نجح الديمقراطيون في استعادة مجلس النواب، فإن ترامب سيجد نفسه أمام مرحلة مختلفة تماماً من رئاسته.
فالأغلبية الديمقراطية ستكون قادرة على قيادة لجان التحقيق، وتكثيف الرقابة على الإدارة، والمساومة حول الموازنات والتشريعات. لكنها لن تمتلك بالضرورة القدرة على فرض أجندتها، خصوصاً إذا احتفظ الجمهوريون بمجلس الشيوخ.
أما إذا استطاع الجمهوريون الاحتفاظ بالمجلسين، فسيعتبر ترامب ذلك تفويضاً سياسياً جديداً لمواصلة سياساته، وربما لتعزيز نفوذه داخل الحزب الجمهوري استعداداً للانتخابات الرئاسية عام 2028.
ومع ذلك، فإن النتيجة الأكثر أهمية قد لا تكون عدد المقاعد التي يخسرها أو يربحها كل حزب، بل الرسالة التي سيرسلها الناخب الأميركي بشأن حدود السلطة الرئاسية.
فالانتخابات النصفية ليست استفتاءً مباشراً على بقاء الرئيس، وإنما على حجم القوة التي يستطيع ممارستها دون معارضة تشريعية فعالة.
وبينما يتطلع الديمقراطيون إلى تحويل الاستياء الشعبي إلى مكاسب انتخابية، يراهن ترامب على تماسك قاعدته الانتخابية وقدرة الجمهوريين على استقطاب الناخبين المترددين.
في النهاية، قد يثبت الثالث من نوفمبر أن التاريخ الانتخابي الأميركي لا يزال أقوى من شعبية الرؤساء، أو أن ترامب قادر مرة أخرى على تحدي التوقعات.
لكن المؤكد أن نتائج هذه الانتخابات لن تتوقف عند أبواب الكونغرس في واشنطن، بل ستمتد تداعياتها إلى السياسة الأميركية الداخلية، وإلى ساحات الصراع الدولي، وفي مقدمتها الشرق الأوسط.









