تخطي إلى المحتوى
اقتصاد لبنان والعالم العربي والعالم
تحليل

مساعدات بلا مسار: لماذا لا تتحول التدخلات الاجتماعية في لبنان إلى تنمية؟

مساعدات بلا مسار: لماذا لا تتحول التدخلات الاجتماعية في لبنان إلى تنمية؟

في كل عام تقريباً تُعلَن "خطة استجابة" جديدة، وتُرصَد لها الملايين، وتُوزَّع الحصص والبطاقات والسلل. ثم يمرّ العام وتعود الخطة بالاسم نفسه، والأرقام نفسها تقريباً، وكأن شيئاً لم يتغيّر. هذا ليس عطلاً في التنفيذ، بل طبيعة هذا النوع من التدخلات: إدارة أزمة لا بناء تنمية.

يتجاهل أغلب الباحثين هذا الجزء من المشهد، لأنه لا يندرج ضمن التمكين الاقتصادي ولا يرتبط بقطاع بعينه. لكنه، في الواقع اللبناني، الأكثر حضوراً. وهو يشمل الإغاثة والمساعدات الطارئة التي رافقت النزوح واللجوء وما تلا انفجار المرفأ عام 2020 وحرب2023–2024 وتداعياتها، وبرامج الحماية الاجتماعية الرسمية لدعم الأسر الأشد فقراً، وأغلبها بتمويل وإشراف من البنك الدولي والأمم المتحدة. ويشمل أيضاً حماية الطفل ومناهضة العنف القائم على النوع الاجتماعي والمساعدة القانونية، والدعم النفسي-الاجتماعي ورعاية كبار السن وذوي الإعاقة، وبرامج التماسك الاجتماعي بين المجتمعات المضيفة والنازحين. وإلى جانبها كلها، شبكة التكافل الأهلي والطائفي من جمعيات دينية وأحزاب وعائلة ممتدة.

هدفها منع السقوط لا الصعود

الفكرة الجامعة لهذه التدخلات حماية الناس من الانهيار، لا نقلهم من وضع إلى وضع. ولهذا تتكرر ولا تنتهي، فهي تعالج العَرَض ولا تقترب من السبب. والدولة في هذا المشهد غائبة عن القيادة. فالممول والمنفّذ في الغالب جهات خارجية ومنظمات غير حكومية، فتتحول الدولة إلى شريك شكلي أو متفرج، وتنشأ دولة رعاية موازية تملك الموارد والبيانات والقرار، دون أن تملك المساءلة أمام اللبنانيين. ويضاف إلى ذلك التشتت. لا توجد قاعدة بيانات موحّدة للمستفيدين، فتستفيد أسر من أكثر من جهة بينما تُحرم أسر أخرى، وتختلف معايير الاستهداف من منظمة إلى أخرى.

حين يصبح الحق خدمة مشروطة

أخطر ما في المشهد هو الوساطة الطائفية والزبائنية. فجزء كبير من الحماية الفعلية يصل عبر الزعيم أو الحزب أو المرجعية الدينية، فيتحول الحق إلى خدمة مشروطة بالولاء، ويتعمّق الانقسام بدل أن يتحقق التماسك الذي تدّعيه البرامج. وهنا يجب التمييز بين التضامن الأهلي المشروع الذي يسند الناس في الشدّة، والشبكات الزبائنية التي تستثمر حاجتهم.

الحماية شرط للتمكين لا بديل عنه

وليس المطلوب تحميل المساعدة وزر ما نحن فيه. فلا ينجح تمكين اقتصادي لأسرة جائعة أو مصدومة نفسياً، والحماية شرط مسبق للتمكين وليست بديلاً عنه. المشكلة أن لا مسار واضحاً يقود من المساعدة إلى الاعتماد على الذات، فيترسّخ الاعتماد على المساعدة لغياب البدائل، لا لعيب في المستفيدين.

يضاف إلى ذلك هشاشة الاستدامة. فالتمويل مرتبط بأولويات المانحين وبالسياسة، وأي تراجع فيه ينعكس مباشرة على حياة الناس.

ثم إن المعادلة نفسها تغيّرت. بعد 2019 لم تعد الفئة المحتاجة هم "الفقراء التقليديين" وحدهم، بل طبقة وسطى منهارة من موظفين ومتقاعدين ومودعين. وبرامج الاستهداف القديمة، المبنية على خريطة فقر ما قبل الانهيار، لم تلحق بهذا التحول.

ثلاثة مستويات وحلقة مفقودة

لفهم الخلل، يمكن النظر إلى هذه التدخلات عبر ثلاثة مستويات: حماية تمنع السقوط، واسترداد يعيد الحد الأدنى بعد الصدمة، وتمكين يبني القدرة على الاعتماد على الذات. تتركز التدخلات في لبنان في المستوى الأول، ويكاد المستويان الآخران يغيبان. وغياب الربط بين المستويات هو ما يمنع تحوّل المساعدة إلى تنمية. غير أن الربط وحده لا يكفي: فمن دون دولة تقود، واقتصاد منتج قادر على استيعاب من جرى تمكينهم، سيبقى المسار مقطوعاً مهما حَسُنت البرامج.

السؤال الذي يجب أن يُطرح في الخطة المقبلة ليس كم سنوزّع، بل متى سنتوقف عن الحاجة إلى التوزيع.

اجعل مجلة 24 مصدرك المفضّل على Google