تخطي إلى المحتوى
اقتصاد لبنان والعالم العربي والعالم
تحليل

توقعات اسعار النفط الخام : هل تنهي الديبلوماسية موجة الصعود دون 100 دولار

توقعات اسعار النفط الخام : هل تنهي الديبلوماسية موجة الصعود دون 100 دولار

يدخل سوق النفط الخام مرحلة شديدة الحساسية، مع عودة التوازن بين المخاطر الجيوسياسية واحتمالات انفراج الأزمة الأمريكية الإيرانية إلى واجهة اهتمام المستثمرين، في وقت يحاول فيه خام غرب تكساس الوسيط الحفاظ على مكاسبه الأخيرة بعد موجة صعود قوية دفعته إلى تسجيل أعلى مستوياته في خمسة أشهر فوق 104 دولارات للبرميل. وفي المقابل، أعادت التطورات الدبلوماسية الأخيرة تشكيل توقعات أسعار النفط الخام، بعدما تراجعت حدة المخاوف من استئناف العمليات العسكرية الأمريكية ضد إيران، وهو ما انعكس سريعًا على معنويات المتداولين وأدى إلى تجدد الضغوط البيعية.

وبرأيي، لا يمكن التعامل مع التراجع الحالي باعتباره مجرد حركة تصحيحية عابرة، كما لا توجد حتى الآن مؤشرات كافية تؤكد انتهاء الاتجاه الصعودي؛ فالسوق لا يزال يتحرك بين احتمالين متعارضين، أولهما انحسار علاوة المخاطر الجيوسياسية مع تقدم المفاوضات، وثانيهما استمرار التهديدات التي تحيط بإمدادات الطاقة وطرق نقلها في منطقة الخليج.

وتكتسب التصريحات الأمريكية الأخيرة أهمية خاصة في تفسير التحركات الحالية، إذ أشار وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو إلى أن الرئيس دونالد ترامب يفضل التوصل إلى حل دبلوماسي مع طهران، مؤكدًا أن واشنطن لم تتخذ قرارًا باستئناف الضربات العسكرية. هذه الرسائل ساهمت في تخفيف المخاوف من تصعيد وشيك، خصوصًا بعدما كانت الأسواق قد بدأت تسعّر احتمالات تجدد المواجهة العسكرية وما قد يترتب عليها من اضطرابات إضافية في تدفقات النفط العالمية.

وفي الاتجاه المقابل، تشير التصريحات الإيرانية إلى استمرار المحادثات عبر الوساطة القطرية، مع الحديث عن مقترحات تتعلق بإعادة فتح مضيق هرمز واستئناف حركة الملاحة. وأرى أن هذه التطورات تمثل عامل ضغط مباشر على أسعار النفط، لأن الأسواق لا تنتظر بالضرورة التوصل إلى اتفاق نهائي حتى تبدأ في خفض علاوة المخاطر، بل يكفي ظهور مؤشرات جدية على احتواء التصعيد لتتراجع رهانات المستثمرين على سيناريوهات نقص الإمدادات.

لكن من المهم التمييز بين تراجع المخاطر السياسية وتراجع المخاطر الفعلية على الإمدادات، فهما ليسا بالضرورة أمرًا واحدًا. فمضيق هرمز يمثل أحد أهم الممرات الاستراتيجية لتجارة الطاقة العالمية، وأي اضطراب مستمر في حركة الناقلات أو ارتفاع في تكاليف التأمين والشحن يمكن أن يبقي أسعار النفط الفعلية مرتفعة حتى مع تراجع العقود الآجلة. كما أن استمرار التهديدات التي تستهدف السفن والبنية التحتية للطاقة يعني أن عودة الثقة إلى أسواق النقل البحري قد تستغرق وقتًا أطول من الوقت الذي تحتاجه الأسواق المالية لتسعير الأخبار الدبلوماسية. ولذلك، لا أرى أن مجرد استمرار المحادثات بين واشنطن وطهران كافٍ لتبرير توقع هبوط مستدام في أسعار الخام، ما لم تترجم هذه المحادثات إلى ترتيبات ملموسة تضمن أمن الملاحة واستقرار تدفقات الصادرات النفطية.

وتبرز سياسة تحالف أوبك+ باعتبارها عاملًا أساسيًا آخر في تحديد الاتجاه المقبل. فقد قررت الدول السبع الرئيسية في التحالف الإبقاء على مستهدفات الإنتاج دون تغيير خلال ديسمبر، في خطوة تعكس رغبة المنتجين في تجنب زيادة المعروض خلال فترة لا تزال فيها اضطرابات الإمدادات قائمة. ويعني هذا القرار أن السوق لن يحصل على إمدادات إضافية من خلال تعديل الحصص خلال الشهر المقبل، الأمر الذي قد يحد من الضغوط الهبوطية على الأسعار إذا استمرت الاختناقات اللوجستية والتوترات الإقليمية. ومع ذلك، فإن تأثير القرار يظل مرتبطًا بمستوى الإنتاج الفعلي وقدرة الدول الأعضاء على استعادة صادراتها، وليس فقط بالأرقام المعلنة للحصص الإنتاجية. كما أن اجتماع التحالف المرتقب في 29 نوفمبر سيكون محطة مهمة لتقييم توجهات الإنتاج خلال عام 2027، خصوصًا مع تزايد حالة عدم اليقين بشأن مستقبل الصراع وإمكانية عودة الإمدادات الخليجية إلى مستوياتها الطبيعية.

ومن زاوية أوسع، أعتقد أن سوق النفط يواجه معادلة أكثر تعقيدًا من مجرد المقارنة بين العرض والطلب؛ إذ أصبحت علاوة المخاطر الجيوسياسية وتكاليف نقل البراميل الفعلية عنصرين مؤثرين في تحديد السعر. فحتى في حال نجاح الجهود الدبلوماسية، قد لا تعود تكاليف الشحن والتأمين إلى مستوياتها السابقة بسرعة، كما أن تعافي الإنتاج والصادرات يحتاج إلى استقرار مستدام وليس مجرد هدوء مؤقت في التصريحات السياسية. وفي المقابل، فإن استمرار الأسعار المرتفعة لفترة طويلة قد يضغط على الطلب العالمي، ويرفع تكاليف النقل والإنتاج، ويزيد المخاوف التضخمية، ما قد يدفع البنوك المركزية إلى تبني سياسات نقدية أكثر حذرًا. ومن ثم، فإن أي ارتفاع إضافي في أسعار الخام قد يواجه مقاومة من جانب الطلب، خصوصًا إذا انعكس على النشاط الاقتصادي العالمي وتكاليف الاستهلاك.

وقد أظهرت تعاملات الاثنين الثاني من نوفمبر هذه الحساسية بوضوح، بعدما تعرض النفط الخام (خام غرب تكساس الوسيط) لضغوط بيعية مع استمرار المحادثات القطرية الإيرانية وتراجع المخاوف الفورية من التصعيد العسكري، في حين تراجعت عقود خام برنت أيضًا بأكثر من 3% خلال بعض مراحل التداول. لكن اللافت أن هذه الخسائر جاءت بعد موجة ارتفاع قوية خلال أكتوبر، وهو ما يعزز احتمالية أن يكون جزء من الهبوط الحالي ناتجًا عن عمليات جني الأرباح وإعادة تقييم علاوة المخاطر، وليس بالضرورة تحولًا كاملًا في الأساسيات التي تحكم سوق الطاقة.

ومن الناحية الأساسية، أرى أن العامل الأكثر أهمية خلال الأيام المقبلة سيكون قدرة المسار الدبلوماسي على تجاوز مرحلة التصريحات الإيجابية والوصول إلى نتائج عملية. فإذا نجحت الوساطة القطرية في تقريب وجهات النظر بين واشنطن وطهران، وظهرت مؤشرات واضحة على إعادة انتظام حركة الملاحة عبر مضيق هرمز، فمن المرجح أن تتعرض أسعار النفط لمزيد من الضغوط، مع احتمال تراجع علاوة المخاطر التي دعمت الأسعار خلال الأسابيع الماضية. أما إذا تعثرت المفاوضات أو عادت التهديدات العسكرية إلى الواجهة، فقد نشهد استعادة سريعة للزخم الصعودي، خصوصًا أن الأسواق لا تزال شديدة الحساسية تجاه أي أخبار تتعلق بأمن المنشآت النفطية وطرق التصدير. وهذا يعني أن رد فعل النفط تجاه الأخبار السياسية قد يظل أكثر حدة من استجابته لبعض البيانات الاقتصادية التقليدية خلال المرحلة الحالية.

وبالنظر إلى التوقعات المستقبلية، أعتقد أن السيناريو الأكثر ترجيحًا في الأجل القريب يتمثل في استمرار التقلبات مع ميل تصحيحي، طالما بقيت فرص التوصل إلى تسوية دبلوماسية قائمة ولم تظهر مؤشرات على تصعيد عسكري جديد. ومع ذلك، فإن بقاء النفط الخام (خام غرب تكساس الوسيط) بالقرب من مستوى 100 دولار يعكس أن السوق لا يزال يحتفظ بجزء مهم من علاوة المخاطر، وأن المستثمرين لم يقتنعوا بعد بأن أزمة الإمدادات أصبحت منتهية. وفي المقابل، فإن أي اتفاق يضمن استقرار الملاحة وعودة الصادرات بصورة طبيعية قد يفتح المجال أمام تصحيح أعمق، خاصة إذا تزامن ذلك مع تحسن توقعات المعروض العالمي خلال العام المقبل.

وفي تقديري، لا ينبغي للمستثمرين التركيز على التصريحات السياسية وحدها، بل يتعين مراقبة ثلاثة مؤشرات رئيسية: مسار المحادثات الأمريكية الإيرانية، والتطورات الأمنية في مضيق هرمز، ومدى التزام أوبك+ بسياسة الإنتاج الحالية. فهذه العوامل مجتمعة ستحدد ما إذا كان التراجع الحالي بداية لتحول هبوطي أوسع أم مجرد استراحة مؤقتة ضمن اتجاه صعودي لا تزال محركاته الأساسية قائمة. كما أن اجتماع أوبك+ في نهاية نوفمبر قد يقدم إشارات أكثر وضوحًا بشأن استراتيجية المنتجين للعام المقبل، خصوصًا إذا بدأت احتمالات عودة الإمدادات الخليجية إلى الأسواق في التأثير على تقديرات توازن العرض والطلب.

وفي المحصلة، أرى أن توقعات أسعار النفط الخام لا تزال محكومة بتضارب واضح بين التفاؤل الدبلوماسي ومخاطر اضطراب الإمدادات، وأن التداول دون مستوى 100 دولار بالنسبة إلى خام غرب تكساس الوسيط قد يمثل نقطة تحول مهمة في تقييم المستثمرين للمرحلة المقبلة، لكنه لا يكفي بمفرده لإعلان انتهاء الاتجاه الصعودي. فاستمرار التصحيح سيحتاج إلى تقدم دبلوماسي ملموس وتحسن فعلي في حركة الشحن والإمدادات، بينما قد يؤدي تعثر المفاوضات إلى إعادة تسعير المخاطر بسرعة ودفع الأسعار نحو مستويات أعلى. لذلك، فإنني أميل إلى تبني رؤية حذرة تجاه النفط في المدى القريب، مع عدم استبعاد عودة التقلبات الصعودية بقوة، لأن العامل الجيوسياسي لم يفقد تأثيره بعد، بل أصبح المحرك الأكثر حساسية لتوقعات سوق الطاقة العالمية.

اجعل مجلة 24 مصدرك المفضّل على Google