تخطي إلى المحتوى
اقتصاد لبنان والعالم العربي والعالم
تحليل

زلزال انتخابي في أميركا… سقوط معاقل الجمهوريين يضع ترامب أمام اختبار السلطة

زلزال انتخابي في أميركا… سقوط معاقل الجمهوريين يضع ترامب أمام اختبار السلطة

كتبت الباحثة في الشؤون الاميركية كارولين بعيني

لم تكن الانتخابات النصفية الأميركية مجرد مواجهة تقليدية بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي، بل حملت نتائجها رسالة سياسية عميقة إلى البيت الأبيض، كشفت حجم التحولات التي طرأت على المزاج الانتخابي الأميركي، وأعادت طرح السؤال الأكثر حساسية في الولاية الثانية للرئيس دونالد ترامب: هل يستطيع الرئيس مواصلة تنفيذ أجندته السياسية عندما تتغير موازين القوى داخل الكونغرس؟

فالانتصارات التي حققها الديمقراطيون في ولايات اعتُبرت لسنوات طويلة معاقل جمهورية، وفي مقدمتها تكساس وكانساس وأوهايو وكارولاينا الشمالية والجنوبية، لا يمكن اختزالها بمجرد انتقال مقاعد من حزب إلى آخر. إنها تعكس تغيراً في العلاقة بين الناخب والسلطة، وتكشف أن الولاءات الحزبية التقليدية قد تصبح أقل صلابة عندما تتقدم المخاوف الاقتصادية والمعيشية على الانتماءات الأيديولوجية.

تكساس… عندما يهتز أحد أعمدة القوة الجمهورية

يشكل فوز الديمقراطي جيمس تالاريكو على الجمهوري كين باكستون في سباق مجلس الشيوخ بتكساس، إلى جانب انتصار جينا هينوجوسا على الحاكم الجمهوري غريغ أبوت، أبرز التحولات السياسية في هذه الانتخابات.

فتكساس ليست مجرد ولاية جمهورية، بل تمثل ثقلاً اقتصادياً وديموغرافياً وانتخابياً أساسياً في الاستراتيجية الوطنية للحزب. ولذلك فإن انتقال منصبي الحاكم وأحد مقاعد مجلس الشيوخ إلى الديمقراطيين يحمل دلالات تتجاوز حدود الولاية.

الأهم أن هذه النتائج تطرح تساؤلات حول قدرة الحزب الجمهوري على المحافظة على التحالف الانتخابي الذي جمع الناخبين المحافظين وسكان الضواحي والشرائح الاقتصادية المختلفة.

فالانتصار الديمقراطي في ولاية بهذا الحجم لا يعني بالضرورة تحولها بصورة دائمة إلى ولاية ديمقراطية، لكنه يكشف إمكانية اختراق قواعد انتخابية كانت تُعتبر شبه مضمونة، عندما تتغير أولويات الناخبين أو تتراجع ثقتهم في أداء الحزب الحاكم.

الاقتصاد يتقدم على الخطاب السياسي

يمكن قراءة هذه الانتخابات بوصفها اختباراً لمدى قدرة الخطاب السياسي على الصمود أمام الضغوط الاقتصادية اليومية.

فبينما ركز الجمهوريون على الهجرة والأمن والقضايا الاجتماعية، وجد الديمقراطيون مساحة أوسع لمخاطبة الناخبين بشأن ارتفاع تكاليف السكن والمواد الأساسية والتأمين والضغوط التي تواجه الطبقة الوسطى.

وهنا تكمن إحدى الرسائل الأساسية للانتخابات: فالناخب قد يؤيد التوجهات السياسية العامة للرئيس، لكنه في الوقت نفسه قد يعاقب الحزب الحاكم إذا شعر بأن أوضاعه المالية لم تتحسن بالشكل الذي كان ينتظره.

وبالتالي، فإن الخسائر الجمهورية لا تعني بالضرورة رفضاً كاملاً للمشروع المحافظ، بقدر ما قد تعكس فجوة متزايدة بين الوعود السياسية والنتائج الاقتصادية التي يلمسها المواطن في حياته اليومية.

الحرب مع إيران… من الحسابات العسكرية إلى صناديق الاقتراع

لا يمكن فصل المشهد الانتخابي عن السياسة الخارجية الأميركية، وخصوصاً الحرب مع إيران وما رافقها من تداعيات اقتصادية وأمنية.

فأي مواجهة عسكرية طويلة أو مكلفة تفتح نقاشاً داخلياً حول أولويات الإنفاق، وحجم الالتزامات الأميركية الخارجية، وتأثير الأزمات الدولية على أسعار الطاقة والاستقرار الاقتصادي.

وقد وجد الديمقراطيون في هذه القضية مدخلاً لمساءلة الإدارة الجمهورية بشأن العلاقة بين أهدافها العسكرية والضغوط التي تواجهها العائلات الأميركية.

لكن تأثير الحرب على نتائج الانتخابات لا يمكن عزله عن العوامل الاقتصادية والمحلية الأخرى. فالناخب الأميركي لا يصوت بالضرورة على أساس ملف واحد، بل وفق مجموعة من الاعتبارات التي تتداخل فيها المصلحة الشخصية مع المواقف السياسية والأمنية.

والأهم أن نتائج الانتخابات قد تجعل القرارات العسكرية المستقبلية أكثر عرضة للمساءلة داخل الكونغرس، خصوصاً إذا أصبحت المعارضة قادرة على التحكم في التشريعات والتمويل والرقابة البرلمانية.

الكونغرس… المعركة الحقيقية تبدأ بعد الانتخابات

إن انتقال السيطرة على مجلس النواب أو الشيوخ إلى الديمقراطيين، في حال اكتمال حسم الأغلبية، سيغير طبيعة العلاقة بين البيت الأبيض والسلطة التشريعية.

فالرئيس ترامب سيحتفظ بصلاحياته الدستورية الواسعة، لكنه قد يواجه صعوبة أكبر في تمرير مشاريعه المتعلقة بالضرائب والإنفاق والهجرة والسياسات الداخلية.

كما أن سيطرة الديمقراطيين على مجلس النواب قد تمنحهم قدرة أكبر على فتح التحقيقات البرلمانية وممارسة الرقابة على الإدارة، فيما تمنحهم السيطرة على مجلس الشيوخ نفوذاً مؤثراً في المصادقة على التعيينات التنفيذية والقضائية.

أما في السياسة الخارجية، فلا يستطيع الكونغرس أن يحل محل الرئيس في قيادة القوات المسلحة، لكنه يستطيع استخدام أدوات التمويل والتشريع والرقابة للضغط باتجاه مراجعة بعض القرارات العسكرية.

وهذا يعني أن العامين المقبلين قد يشهدان انتقالاً من مرحلة المبادرات الرئاسية الواسعة إلى مرحلة أكثر تعقيداً من المساومات السياسية والمؤسساتية.

هل تتراجع قبضة ترامب على الحزب الجمهوري؟

تطرح النتائج أيضاً سؤالاً داخلياً لا يقل أهمية عن خسارة المقاعد: إلى أي مدى سيبقى الحزب الجمهوري مرتبطاً بشخص ترامب وخياراته السياسية؟

فالرئيس الذي نجح في إعادة تشكيل الهوية السياسية للحزب خلال السنوات الماضية يواجه الآن اختباراً مختلفاً، يتمثل في قدرة المرشحين الجمهوريين على الفوز خارج القاعدة الانتخابية الأكثر ولاءً له.

وقد تدفع الخسائر الحزب إلى نقاش حول طبيعة خطابه السياسي، ومدى قدرته على استعادة الناخبين المستقلين وسكان الضواحي والشرائح المترددة.

لكن من المبكر اعتبار هذه النتائج بداية نهاية النفوذ السياسي لترامب. فالرئيس لا يزال يمتلك موقعاً مؤسسياً قوياً داخل البيت الأبيض، كما أن الانتخابات النصفية لا تحدد وحدها اتجاه الانتخابات الرئاسية المقبلة.

فلوريدا… استثناء جمهوري في مشهد متغير

في مقابل المكاسب الديمقراطية الواسعة، حافظ الجمهوريون على مقعد مجلس الشيوخ في فلوريدا بفوز آشلي مودي على الديمقراطية أنجي نيكسون.

وتشير هذه النتيجة إلى أن التراجع الجمهوري لم يكن متجانساً في جميع الولايات، وأن الخصائص الديموغرافية والاقتصادية والمحلية لا تزال تلعب دوراً أساسياً في تحديد اتجاه التصويت.

كما أن خسارة الجمهوريين بعض الدوائر في ولايات أُعيد رسم حدودها لمصلحتهم تكشف حدود التعويل على الخرائط الانتخابية وحدها، عندما يتغير سلوك الناخبين بصورة تتجاوز الحسابات الحزبية التقليدية.

مرحلة جديدة في واشنطن… وتداعيات تتجاوز الداخل الأميركي

قد يكون استعداد ترامب المعلن لقبول النتائج والتعاون مع الديمقراطيين مؤشراً إلى إدراكه أن المرحلة المقبلة تتطلب مقاربة مختلفة في إدارة العلاقة مع الكونغرس.

لكن التحدي الحقيقي سيكون في قدرة الطرفين على التوصل إلى تسويات حول الموازنة والاقتصاد والهجرة والملفات الخارجية، خصوصاً أن الانقسام السياسي الأميركي لا يزال عميقاً.

وبالنسبة إلى الشرق الأوسط، فإن أي تحول في موازين القوى داخل الكونغرس قد يؤدي إلى زيادة التدقيق في السياسات العسكرية والإنفاق الدفاعي والعلاقات الإقليمية، من دون أن يعني ذلك انقلاباً تلقائياً في الاستراتيجية الأميركية.

فالسياسة الخارجية للولايات المتحدة تحكمها مصالح ومؤسسات وتحالفات تتجاوز هوية الحزب المسيطر على أحد فروع السلطة.

تكشف الانتخابات النصفية الأميركية عن حقيقة سياسية أساسية: الانتصار الرئاسي لا يمنح الحزب الحاكم تفويضاً مفتوحاً أو حصانة دائمة من المحاسبة الشعبية.

فالمكاسب الديمقراطية في الولايات المحافظة تمثل تحولاً يستحق الدراسة، لكنها لا تعني بالضرورة إعادة رسم دائمة للخريطة السياسية الأميركية.

وفي المقابل، فإن التحدي الذي يواجه ترامب لا يقتصر على خسارة بعض حلفائه، بل يمتد إلى كيفية الحفاظ على فاعلية إدارته في ظل احتمال انقسام السلطة بين البيت الأبيض والكونغرس.

لقد انتهت معركة صناديق الاقتراع، لكن المعركة الأهم بدأت الآن: من سيحدد اتجاه السياسة الأميركية خلال العامين المقبلين، البيت الأبيض أم الكونغرس، أم أن الطرفين سيجدان نفسيهما مضطرين إلى تقاسم القرار؟

وهذا هو التحول الحقيقي الذي يجعل هذه الانتخابات أكثر من مجرد مواجهة حزبية عابرة، ويضع النظام السياسي الأميركي أمام اختبار جديد للتوازن بين المؤسسات والسلطات

اجعل مجلة 24 مصدرك المفضّل على Google