لا تكمن عقدة الإصلاح المصرفي في لبنان في غياب الحلول أو وضوح المتطلبات الدولية، بل في قدرة السلطة السياسية على اتخاذ القرارات التشريعية والتنفيذية اللازمة لمعالجة الأزمة، وتحمّل مسؤولياتها في تحديد الخسائر وتوزيعها واستعادة حقوق المودعين.
فعلى الرغم من إقرار تعديلات قانون إصلاح أوضاع المصارف، لا يزال تطبيقه مرتبطاً بإقرار قانون الانتظام المالي واسترداد الودائع، ما يجعل مسار الإصلاح رهينة الخلافات السياسية والمؤسساتية والتجاذبات حول كيفية توزيع الخسائر والصلاحيات بين الجهات المعنية. وقد أعاد قرار المجلس الدستوري بشأن بعض مواد القانون، في تشرين الأول 2026، الملف إلى مسار تشريعي إضافي، فيما بقي قانون الانتظام المالي من دون إقرار .
وتتحمل السلطة السياسية المسؤولية الأساسية عن هذا التأخير، باعتبارها الجهة المخوّلة وضع السياسات المالية والتشريعية، وإدارة التفاوض بين الدولة ومصرف لبنان والمصارف، وتقديم مشروع متكامل يحدد بوضوح حجم الفجوة المالية، ومسؤولية كل طرف عنها، وآليات معالجتها. ولا يمكن تبرير استمرار التعطيل بتبادل الاعتراضات بين المؤسسات، فيما تبقى القرارات الحاسمة مؤجلة.
وتبدأ الخطوات الإصلاحية المطلوبة بإقرار قانون الانتظام المالي واسترداد الودائع وفق معايير واضحة، واحترام التسلسل القانوني لتحمّل الخسائر، بدءاً بالمساهمين والدائنين الأدنى مرتبة، وإجراء تقييم مستقل للمصارف، وإعادة رسملة القابلة للاستمرار، ودمج أو تصفية غير القابلة للحياة. كما يتطلب الإصلاح تحديد مساهمة الدولة ومصرف لبنان، ووضع جدول زمني واقعي لاسترداد الودائع، وتعزيز استقلالية الرقابة والمحاسبة.
وتبرز هنا مسؤولية مجلس النواب في عدم تفريغ القوانين من أهدافها عبر التعديلات والتسويات، ومسؤولية الحكومة في تقديم مشروع قابل للتطبيق ومدعوم بأرقام ومصادر تمويل واضحة، ومسؤولية القوى السياسية في عدم تحويل الإصلاح إلى ساحة لحماية المصالح المصرفية أو تجنّب تحمّل كلفة القرارات السابقة.
كما أن الخلافات بين الحكومة ومصرف لبنان حول الصلاحيات وآليات توزيع الخسائر لا تعفي السلطة السياسية من مسؤولية حسمها. وقد أشار صندوق النقد إلى ضرورة أن يضمن قانون الانتظام المالي احترام ترتيب المطالبات، وألا يتحمل المودعون الخسائر قبل المساهمين والدائنين الأدنى مرتبة، وأن تكون خطة السداد منسجمة مع قدرة القطاع المصرفي واستدامة الدين العام.
إن جوهر المشكلة لم يعد في معرفة ما ينبغي فعله، بل في غياب القرار السياسي الحاسم لتنفيذه. فكل تأخير في إقرار القوانين واستكمال الإصلاحات يمدّد حالة الغموض، ويؤخر استعادة الثقة، ويُبقي المودعين خارج دائرة الحل.
إن مسؤولية السلطة السياسية لا تقتصر على إقرار قانون لإعادة هيكلة المصارف، بل تشمل ضمان تطبيقه، وتحديد المسؤوليات، ومحاسبة المتسببين، وحماية حقوق المودعين. ومن دون إرادة سياسية واضحة، ستبقى إعادة الهيكلة عنواناً تشريعياً مؤجلاً، فيما تستمر الأزمة المالية بكلفتها الاقتصادية والاجتماعية.









